الأحد، 7 مارس 2010

القراءة التركيبية

القراءة التركيبية لظاهرة الشعر الحديث لأحمد المعداوي دراسة في" ظاهرة الشعر الحديث " *
ذ. أحمد اتزكنرمت
يتضح من خلال الفصول السابقة أن أحمد المعداوي يدرس ظاهرة الشعر العربي الحديث دراسة تاريخية تطورية واجتماعية معتبرا أن الشعر العربي الحديث قد قطع مع شعر إحياء النموذج (الإحيائي)وشعر سؤال الذات (الرومانسي) على مستوى الشكل والمضمون والوظيفة، مبرزا أن نكبة فلسطين وهزيمة يونيو، كانا عاملين مباشرين في بروز هذا اللون الشعري، ونهاية حتمية للوجود العربي التقليدي
.1. المفاهيم والمصطلحات النقدية:إن المصطلحات والمفاهيم ليست مجرد كلمات عادية في اللغة، وإنما أداة للوصف والتفسير والتصور، و تمكن المجاطي من التوفر على عدة مفاهيمية مكنته من تناول الظاهرة الشعرية الحديثة وفق مصطلحية محددة واضحة، فاستمد مصطلحاته من حقول معرفية أربعة مختلفة، لكنها تتكامل محكما، وهي:
§ المصطلحات الأدبية النقدية: الشعر، القصيدة العمودية، مضامين، الأشكال التعبيرية، تيار الإحياء، الشكل، شعراء البعث، ديوان، الأفكار، الوسائل الفنية، الغزل، الموضوعات، النثر، غنائي، إيقاعات موسيقية، القافية، البيت، لغة القدماء، تفعيلة، الغموض، الوزن التقليدي، التدوير، الزحافات، العروض، البحور الشعرية....
§ المصطلحات الاجتماعية التاريخية:التطور، العصر، الاحتكاك الثقافي، نكبة فلسطين، الوجود العربي، العودة إلى التراث، القرن العشرين، الحضارة الحديثة، الفترة التاريخية، قيم جديدة، الفكر الحر، الظروف، الهجرة، هزيمة 1948، العامل الديني، العامل السياسي، العامل الثقافي، حداثة...
§ المصطلحات النفسية:التجربة الذاتية، معاناة، الغربة، ذات الشاعر، الغنائية، إحساس، الباطن، الألم، الرؤيا، الحدس، الانفعال، السخرية، اليأس، غربة، الزهد، الهروب، الانطواء، لاشعور جمعي، الدفقة الشعورية، العواطف، الأحلام، الهواجس، التفرد، الولع بالطبيعة....
§ المصطلحات الوجدانية- الإيحائية: الصفاء، الموهبة الشعرية، العواطف المطلقة، العقل المحض، القلب، عالم الغيب، الصوفي، السعادة المطلقة، الشقاء، الضعف اللغوي، تفجير الأشكال القديمة، واقع الهزيمة الأسود، ألوان التمزق، الطريق المظلم، الإيقاع الشعوري، جو أسطوري، النغمة المستوردة، النفس التقليدي....ويمكننا إزاء هذه المفاهيم والمصطلحات التي وظفها أحمد المعداوي في وصف وتفسير وتأويل ظاهرة الشعر الحديث، أن نسجل الملاحظات التالية:
§ هيمنة المصطلحات والمفاهيم النقدية الأدبية، الدالة على مجموع المجالات الأدبية والنقدية التي استعان بها المعداوي في إطار معالجته للشعر الحديث، فتوزعت بين المجالات المعرفية الأدبية والمعرفة النقدية، مما ينم عن إحاطة شاملة بالموضوع وقدرة متمرسة على تذوق النصوص الأدبية، وتحليلها وتأويلها بأدوات علمية.
§ احتلال المصطلحات الاجتماعية _التاريخية موقع الصدارة وتفسير ذلك يعود إلى تناول الكتاب لظاهرة أدبية أنتجها شعراء يتقاسمون قيما إنسانية وجمالية، وعاشوا في ظروف اجتماعية وسياسية متقاربة، أفرزها واقع ما بعد النكبة والنكسة والوجود العربي التقليدي.
§ الحضور الواضح للمصطلحات والمفاهيم النفسية، حيث اهتم الكاتب بمدى تفاعل الشعراء مع واقعهم وإحساسهم بفداحة الهزيمة ومرارة الواقع.
§ الحضور النسبي للمصطلحات الوجدانية_ الإيحائية، حيث سعى الكاتب إلى تقويم مسيرة الحركات الشعرية المدروسة، وتأويل تجاربها تأويلا ذاتيا شخصيا، أو التعقيب على رأي دارس أو ناقد
.2. المنهج أو طرائق العرض:
يسعى المجاطي، بكل ما أوتي من قوة نظرية أو معرفة تاريخية أو أدبية، إلى إثبات نتيجة تتمثل في خصوصيات الشعر العربي الحديث وتخصيص وسائله، معتمدا على توجه منهج وطرائق عرض، يمكن أن نجمل معالمه كما يلي:
‌أ- التدرج من العام إلى الخاص: إذ خص بداية كل فصل، من فصول الكتاب، بمقدمة عامة تترجم أهدافه العامة والخاصة، يشرع في شرحها وتفسيرها وتعليلها متدرجا من العام (شكل القصيدة الإحيائية أو الوجدانية أو الحداثية) إلى الخاص (ما يميز كل شكل على حدة) مستعينا بالحجج والأدلة المناسبة الآتية:
- المعطيات التاريخية والاجتماعية والأدبية المفسرة للظاهرة.
- أقوال الدارسين والنقاد الذي عنوا بالظاهرة وأدلوا فيها برأي.
- الوقوف على المضامين والخصائص الفنية لمقطع أو قصيدة شعريين.
‌ب- المقارنة: من أشد الوسائل المنهجية والحجاجية وضوحا و دلالة من خلال استخلاص أوجه الاختلاف والتشابه، بين الظواهر المدروسة، ومن أمثلة المقارنة:
- المقارنة بين مفهوم الوجدان عند أصحاب جماعة الديوان (العقاد والمازني وشكري) والمقارنة بين النتائج المترتبة على ذلك الاختلاف، فالعقاد فشل في المزاوجة بين الفكر والعواطف، بينما استمد شكري طابعه المظلم من أغوار نفسه الكسيرة، وأما المازني فقد انتقل إلى النثر الذي يسمح باتساع رقعة السخرية التي ميزت أدبه.
- المقارنة بين جماعة أبولو وجماعة الديوان وتيار الرابطة القلمية في قضية التفاعل مع القضايا القومية، والقول إن ما يعتد به من شعرهم هو ما كان وجدانيا ذاتيا.
- المقارنة بين تجربة الغربة وتجربة الموت، والانتهاء إلى أن التجربة الأولى مشدودة إلى الحاضر، وأن التجربة الثانية مشدودة إلى المستقبل.
- المقارنة بين إيثار الشاعر المهجري الحياة السهلة على معاناة الموت، يعكس الشاعر الحديث الذي اقترنت لديه تجربة الموت والحياة بتجربة موت الذات والحضارة.فالمقارنة واسعة الاستعمال في كتاب المجاطي، وهي‌
ج- الاستشهاد: استشهد المجاطي بأقوال كثير من الأدباء والنقاد والمفكرين العرب (قدامى ومحدثين) والغربيين، ومنهم نذكر: شكري عياد ومحمد النويهي وعز الدين إسماعيل وغالي شكري وأدونيس وجبران خليل جبران وميخائيل نعيمة وصلاح عبد الصبور وكولن ويلسون وطوماس إليوت وريتشارد...) وهي استشهادات اضطلعت بالعديد من الوظائف، منها التمهيد لفكرة أو شرحها أو التعليق عليها. المجاطي لا يورد الاستشهاد إلا إذا كانت وظيفته السياقية والكلامية واضحة وجلية. ولا يورد الاستشهاد إلا مقرونا برأيه أو تعليقه إيجابا أو سلبا، الأمر الذي يعني أن الاستشهاد جزء من الخطاب النقدي وأداة حجاجية محكمة للتدليل على سداد موقف طرف وعلى هشاشة رأي طرف آخر.
‌د-التمثيل: ما دام الكتاب دراسة وبحثا في الشعر، فمن الطبيعي أن يورد المجاطي عشرات الأمثلة الشعرية، من أجل توكيد رأيه أو ترجيح تحليله، وقد أورد عشرات الأمثلة الشعرية موزعة بين الأبيات والأشطر والمقاطع والقصائد لجل شعراء التيار الوجداني (عباس محمود العقاد و عبد القادر المازني وعبد الرحمن شكري وجبران خليل جبران وميخائيل نعيمة وإيليا أبو ماضي وأحمد زكي وأبو شادي وعلي محمود طه وعبد المعطي الهمشري وأبو القاسم الشابي) وأغلبية الشعراء المحدثين (بدر شاكر السياب ونازك الملائكة وعبد الوهاب البياتي وأدونيس وصلاح عبد الصبور وأمل دنقل وأحمد عبد المعطي حجازي).3
. الخلفيات النقدية أو المرجعيات المعرفية:توسل أحمد المجاطي أكثر من منهج نقدي، فإذا كان المؤلف قد استعان بالمنهج التاريخ الاجتماعي، في جل فصول الكتاب، فإننا نجد إلى جانبهما منهجين آخرين، وهما: المنهج النفسي والمنهج الموضوعاتي.
أ‌- المنهج التاريخي: حرص الناقد المجاطي منذ البداية على الربط بين الظواهر الشعرية المدروسة والفترة الزمنية التي شهدت ميلادها، فهو يتتبع نشوء الحركة الإحيائية ويصلها بالخلفية التاريخية التي استلهمتها، كما تتبع نشوء الحركة الوجدانية، وكيف شقت طريقها متأثرة بعوامل داخلية عربية، وأخرى أجنبية ممثلة في قراءة شعرائها للآداب الأجنبية، وتشبعهم بالقيم الغربية في مجالات الحياة والثقافة، كما يجد في الواقع العربي المطبوع بالهزائم، وانتكاسات عامي 1948 و 1967، والهجوم الثلاثي على مصر والحركات الاستقلالية وقيام أنظمة تقدمية أو سقوطها العوامل التاريخية المباشرة في ظهور حركة الشعر الحديث.
ب‌- المنهج الاجتماعي: يميل الناقد المجاطي إلى هذه المنهجية، ويعلل بها قيم الشكل والمضمون في أشعار الشعراء الوجدانيين المحدثين، فهروب الشعراء الوجدانيين ويأسهم من الواقع هما نتيجة سخطهم على قيم هذا المجتمع، ويأسهم من الإنسان وحضارته، ولعل التلاؤم الذي سجله المجاطي بين الأشكال الشعرية الوليدة وبين حركة المجتمعات العربية دليل آخر على أن ظاهرة الشعر الحديث، في شقها الأساس، منتج اجتماعي عربي، موسوم بما في المجتمع من توترات ومد وجزر.
ت‌- المنهج النفسي: يبين احمد المعداوي المجاطي، في هذا السياق أن السمات الجديدة للقصيدة نابعة من التجربة النفسية والشعورية التي مر منها الشاعر، فطبيعة كل تجربة تحتم عليه أن يكثر من التفعيلات أو يقتصر على بعضها فقط، ويختار الوحدات الموسيقية المناسبة التي بإمكانها أن تستوعب الدفقات الشعورية التي تختلج في نفسه، وما يسترعي الانتباه، في هذا السياق أن المؤلف مفتتن ومعجب بكتاب الشعر العربي المعاصر لعز الدين إسماعيل ليس على المستوى المنهجي فحسب، وإنما على المستوى الاصطلاحي أيضا. فالأول استلهم من الثاني المنهجية التي استند إليها لتعليل ظاهرة التجديد الشعري من الزاويتين النفسية والشعورية، وفي السياق نفسه أعاد استثمار مصطلحيته لفهم أبعاد التجربة الجديدة ومنطلقاتها، ومكمن قوتها لإرساء قواعد شكل جديد، ومن بين المصطلحات التي تشبع بها الناقد من كثرة قراءة كتاب الشعر العربي المعاصر والإعجاب به: تفتيت البيت والتنويع الإيقاعي والإطار الموسيقي الجديد والمرونة والطواعية والقافية المتحررة والدفقة الشعورية والسطر الشعري والجملة الشعرية...ث‌- المنهج الموضوعاتي: تقوم هذه المنهجية النقدية على الاهتمام بدراسة الموضوعات التي تتمحور حولها الآثار الأدبية، وقد استثمر المجاطي إمكانات هذه المنهجية في الفصلين الثاني والثالث، وذلك لاستخلاص الموضوعات التي تهيمن على الشعر الحديث، وكشف عن عوالمه الخفية، ومن بين هذه الموضوعات نذكر ما يلي:
- الغربة والضياع: اشتق منها المؤلف أربع موضوعات فرعية، وهي: الغربة في الكون، والغربة في المدينة، والغربة في الحب، والغربة في الكلمة.- الحياة والموت: استخرج منها أربع موضوعات فرعية، ومن ضمنها: التحول عبر الحياة والموت، ومعاناة الحياة والموت، وطبيعة الفداء في الموت، وجدلية الأمل واليأس.أسعفت المنهج الموضوعاتي المجاطي على الإمساك بالعناصر الدلالية والمعاني الثرة التي ميزت قصائد كل من بدر شاكر السياب وأدونيس وخليل حاوي وعبد الوهاب البياتي.وفضلا عن هذه المنهجيات المتكاملة في مؤلف المجاطي، نجد أن الكتاب يتسم بسمتين اثنتين، وهما:· سمة الموضوعية: وهي السمة الغالبة على الكتاب من حيث هي قائمة على الاستقصاء، فقد ألم المجاطي بالحركات الشعرية العربية (الإحيائية والوجدانية والحديثة) إلماما مشهودا، بمعرفة ظروف نشأتها، والعوامل التي أسهمت في تكونها وتبلور توجهاتها، وأهم روادها، ووجهات نظرهم في الإبداع الشعري، وطبيعة تكوينهم الأدبي، ودرجة تفاعلهم مع الأحداث العربية الجسيمة (على نحو نكبة فلسطين وهزيمة يونيو). إضافة إلى التحري: ونلمسه في أن المؤلف يجمع المعطيات الملائمة وينظمها ويربطها بسياقاتها الخاصة والعامة، ويستشهد بأمثلة من الشعر أو أقوال النقاد. وعموما فهو يتحرى في القضايا المعروضة من جوانب عديدة حرصا منه على إصدار حكم نقدي موضوعي.· سمة الذاتية: وهي تتجسد في تلك الانطباعات والأحكام الشخصية التي يصوغها المجاطي في قضية تاريخية أو سياسية أ أدبية أو نصية أو لغوية أو فنية أو إيقاعية. وهي في مجملها، تكشف عن موقفه الذاتي وذوقه الشخصي حيال بعض القضايا الفنية التي تحتمل تأويلات مختلفة، أو يصعب أن يحسم فيها بالمعايير العلمية كما لو كانت حقائق ثابتة. كما أن تطبيق القواعد والأصول النقدية لا يحدث آليا وإنما يعتمد على تجربة الناقد وتكوينه الشخصي والثقافي الواسع. وبهذا يظهر التمايز بين ناقد وآخر. "فقابلية الناقد في استخدام القواعد والأصول النقدية المقررة وفي كيفية تطبيقها على الإنتاج الأدبي هي التي تبرر العنصر الشخصي في النقد"[1]4. الخاتمة:إن كتاب أحمد المعداوي" ظاهرة الشعر الحديث" خلاصة اجتهادات لما كتب عن الشعر العربي الحديث و المعاصر كما لدى محمد مندور، و محمد النويهي، ونازك الملائكة، وإحسان عباس، وناجي علوش، وأدونيس، ومحمد بنيس، وعز الدين إسماعيل، وكمال خير بك، وريتا عوض، وعبد الله راجع...فهو كتاب لا يشك أحد في قيمته المعرفية والأدبية والنقدية والتاريخية، غني بالمعلومات الأدبية والتاريخية ، ودسم بالمادة الشعرية و الحيثيات البيوغرافية المتعلقة بالمبدعين والنقاد. كتاب يدافع عن الشعر المعاصر أو الشعر الحديث من خلال مقاربات متداخلة تتكئ على التاريخ والتحليل الفني وملامسة القضايا الواقعية وتجريبية التلقي. بيد أن هذه الدراسة تعتمد على منهج القضايا والظواهر لدراسة الشعر العربي الحديث من حيث المضمون والشكل للبحث عن التحولات والتطورات التي حققها هذا الشعر في تعالقه مع واقعه الموضوعي اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا وثقافيا.وعلى الرغم من قيمة هذا الكتاب من الناحية العلمية والمعرفية والأدبية والتاريخية والنقدية، إلا أنه قد سقط في بعض الأحكام التعميمية والذاتية الانطباعية.[1] حكمت علي الألوسي، مفاهيم في الأدب والنقد، تصوير وطبع المطبعة الوطنية، مراكش، 1982، ص. 22.*أستاذ وباحث في التواصل وتحليل الخطاب

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق