الأحد، 28 مارس 2010

بشأن أسئلة الأخ الفاضل محمد العماري

أخي العماري
هاهي بعض اللمسات فيما تفضلتم بالسؤال عنه و هي مأخودة من تفاسير المفسرين الأجلاء نرجو أن تتاح لنا فرصة اللقاء قريبا لنتناقش بشأن ما غمض منها
والله الموفق و شكر الله لك أخي لمشاركاتك في المدونة
تقبل الله منا ومنكم صالح الأعمال

لماذا لم ترفع " الصابرين" و هي معطوفة على " و الموفون"* وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَالصّابِرِينَ

قال تعالى: (لّيْسَ الْبِرّ أَن تُوَلّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَـَكِنّ الْبِرّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الاَخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنّبِيّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَىَ حُبّهِ ذَوِي الْقُرْبَىَ وَالْيَتَامَىَ وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السّبِيلِ وَالسّآئِلِينَ وَفِي الرّقَابِ وَأَقَامَ الصّلاةَ وَآتَى الزّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَالصّابِرِينَ فِي الْبَأْسَآءِ والضّرّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَـَئِكَ الّذِينَ صَدَقُوآ وَأُولَـَئِكَ هُمُ الْمُتّقُونَ) [سورة: البقرة - الآية: 177]
ــــــــــــــــــــــــ قال الإمام القرطبي في تفسيره :
الثانية: قرأ حمزة وحفص «البِرَّ» بالنصب، لأن ليس من أخوات كان، يقع بعدها المعرفتان فتجعل أيهما شئت الاسم أو الخبر؛ فلما وقع بعد «ليس»: «البِرّ» نصبه؛ وجعل «أن تُوَلُّوا» الاسمِ، وكان المصدر أولى بأن يكون ٱسماً لأنه لا يتنكّر، والبرّ قد يتنكّر والفعل أقوى في التعريف. وقرأ الباقون «البِرُّ» بالرفع على أنه ٱسم ليس، وخبره «أن تُوَلُّوا»، تقديره: ليس البرّ توليتكم وجوهكم؛ وعلى الأوّل ليس توليتكم وجوهكم البرّ، كقوله:{مَّا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ} ، {ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الذين أَسَاءُواْ ٱلسُّوۤءَىٰ أَن كَذَّبُواْ} {فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَآ أَنَّهُمَا فِي ٱلنَّارِ} وما كان مثله. القرطبي
ــــــــــــــــــــــ وقال العكبرى في التبيان : ـ
قوله تعالى: (ليس البر): يُقرأ برَفْع الراء فيكون «أنْ تُوَلُوا» خبر ليس. وقَوِي ذلك؛ لأنّ الأصلَ تقديم الفاعل على المفعول.
ويُقرأُ بالنصب على أنه خبر ليس، وأن تُوَلُّوا اسمها. وقَوِيَ ذلك عند مَنْ قرأ به؛ لأن أنْ تُوَلُّوا أعرف من البر؛ إذا كان كالمُضْمَر في أنه لا يُوصف، والبر يُوصف؛ وَمِنْ هنا قَوِيت القراءةُ بالنصب في قوله: «فما كانَ جَوَابَ قَوْمِهِ» (. التبيان في إعراب القران للعكبرى)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــ
قال تعالى: وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ(البقرة 177 )
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــ قال الإمام القرطبي في تفسيره :
ولكن البرّ المؤمنون والموفون؛ قاله الفراء والأخفش. «والصابرين» نصب على المدح، أو بإضمار فعل. والعرب تنصب على المدح وعلى الذم كأنهم يريدون بذلك إفراد الممدوح والمذموم ولا يتبعونه أوّل الكلام، وينصبونه. فأمّا المدح فقوله: {وَٱلْمُقِيمِينَ ٱلصَّلاَةَ} .
فنصب على المدح. وأمّا الذّم فقوله تعالى: {مَّلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوۤاْ أُخِذُواْ وَقُتِّلُواْ تَقْتِيلاً} الآية. وقال عُرْوَة بن الوَرْد:
سَقَوْني الخمر ثم تَكَنَّفُوني
عُدَاةَ اللَّهِ من كَذِب وزورِ
وهذا مَهْيَع في النعوت، لا مطعن فيه من جهة الإعراب، موجود في كلام العرب كما بيّناه. وقال بعض من تعسّف في كلامه: إن هذا غلط من الكتاب حين كتبوا مصحف الإمام؛ قال: والدليل على ذلك ما روي عن عثمان أنه نظر في المصحف فقال: أرى فيه لَحْناً وستقيمه العرب بألسنتها. وهكذا قال في سورة النساء «والْمُقِيمينَ الصَّلاَةَ»، وفي سورة المائدة {وَٱلصَّابِئُونَ} . والجواب ما ذكرناه. وقيل: «الموفون» رفع على الابتداء والخبر محذوف، تقديره وهم الموفون. وقال الكسائي: «والصابرين» عطف على «ذوي القربى» كأنه قال: وآتى الصابرين. قال النحاس: «وهذا القول خطأ وغلط بيّن؛ لأنك إذا نصبت «والصابرين» ونسقته على «ذوي القربى» دخل في صلة «من» وإذا رفعت «والموفون» على أنه نسق على «مَن» فقد نسقت على «مَن» مِن قبل أن تتم الصلة، وفرّقت بين الصلة والموصول بالمعطوف». وقال الكسائي: وفي قراءة عبد اللَّه «والموفين، والصابرين». وقال النحاس: «يكونان منسوقين على «ذوي القربى» أو على المدح. قال الفرّاء: وفي قراءة عبد اللَّه في النساء {وَٱلْمُقِيمِينَ ٱلصَّلاَةَ وَٱلْمُؤْتُونَ ٱلزَّكَاةَ} . (القرطبي )

في قوله : {حتى يقول الرسول} وجهان من القراءة : الرفع، والنصب من خلال تفسير الطبري

وفي قوله : {حتى يقول الرسول} وجهان من القراءة : الرفع، والنصب. ومن رفع فإنه يقول : لما كان يحسن في موضعه " فعل " أبطل عمل " حتى " فيها، لأن " حتى " غير عاملة في " فعل "، وإنما تعمل في " يفعل "، وإذا تقدمها " فعل " وكان الذي بعدها " يفعل "، وهو مما قد فعل وفرغ منه، وكان ما قبلها من الفعل غير متطاول، فالفصيح من كلام العرب حينئذ الرفع في " يفعل " وإبطال عمل " حتى " عنه، وذلك نحو قول القائل : قمت إلى فلان حتى أضربه، والرفع هو الكلام الصحيح في " أضربه "، إذا أراد : قمت إليه حتى ضربته، إذا كان الضرب قد كان وفرغ منه، وكان القيام غير متطاول المدة. فأما إذا كان ما قبل " حتى " من الفعل على لفظ " فعل " متطاول المدة، وما بعدها من الفعل على لفظ غير منقض، فالصحيح من الكلام نصب " يفعل " وإعمال " حتى " وذلك نحو قول القائل : ما زال فلان يطلبك حتى يكلمك، وجعل ينظر إليك حتى يثبتك ; فالصحيح من الكلام الذي لا يصح غيره النصب ب " حتى "، كما قال الشاعر : مطوت بهم حتى تكل مطيهم وحتى الجياد ما يقدن بأرسان فنصب تكل والفعل الذي بعد حتى ماض، لأن الذي قبلها من المطو متطاول، والصحيح من القراءة إذا كان ذلك كذلك " وزلزلوا حتى يقول الرسول "، نصب يقول، إذ كانت الزلزلة فعلا متطاولا، مثل المطو بالإبل. وإنما الزلزلة في هذا الموضع : الخوف من العدو، لا زلزلة الأرض، فلذلك كانت متطاولة وكان النصب في " يقول " وإن كان بمعنى " فعل " أفصح وأصح من الرفع فيه.

السبت، 13 مارس 2010

تحليل نص مسرحي

النص المسرحي:
جاء في مسرحية (جسر إلى الأبد ) لغسان كنفاني ما يلي :
رجاء : (تصيح) افتح يا فارس ... افتح ... افتح.
فارس: (من بعيد) رجاء؟ أتيت مبكرة اليوم هل من جديد ؟
رجاء: (مثارة) افتح ...افتح...عجل افتح.
فارس: لحظة واحدة ، لحظة واحدة ، سأصل الآن ، لحظة واحدة فقط .
(صوت أقدامه – ثم مزلاج الباب يفتح)
رجاء: (شبه باكية) آه يا فارس .أيها العزيز المسكين . أنت لم تقتل أمك . لم تقتلها . لم تقتلها.
فارس: (مذهولا)لم أقتلها؟
رجاء: (تصيح) أجل . لم تقتلها يا فارس ...لم تقتلها.
فارس: (كمن فقد رشده) تعنين أنها ليست ميتة؟
رجاء: لا.لا. (تتردد)أعني.نعم. إنها ميتة طبعا . ولكنك لم تقتلها .
فارس: (منهارا) كيف؟ أيتها الحمقاء الصغيرة ؟كيف؟كيف؟
رجاء: (تلهث)لقد ماتت بعد نصف ساعة فقط من مغادرتك البيت ...(تصمت هنيهة ) أنت قلت أنك غادرت البيت يوم الثلاثاء في الساعة الثامنة صباحا . التقرير الطبي يقول إنها ماتت في الساعة الثامنة و النصف من نفس الصباح.
فارس: هذا...هذا لا يغير شيئا.
رجاء: كيف؟كيف؟ لا يغير شيئا أيها الأحمق ...كيف؟
فارس: ماذا يغير ؟
رجاء: لقد ماتت قبل أن تغادر المدينة أنت...كان من الممكن أن يحدث ذلك و أنت هنا . ماتت دون أن تعرف أنك غادرت المدينة . كانت تشتري طعاما للغذاء و كانت على وشك العودة إلى البيت حين داهمها الموت في الطريق :أصيبت بالسكتة القلبية فجأة ...و كنت أنت ما زلت في المطار . أنت لم تقتلها أيها المسكين الضائع ... لم تقتلعا.
فارس: متأكدة ؟
رجاء: قرأت التقرير مرات و مرات بعيني هاتين و يبقى أن تذهب بنفسك أنت لتتأكد من كل شيء(تتنهد) يا إلهي ...ألست سعيدا؟
فارس: (مترددا) لست أدري ...لست أدري...إن صدري يموج كأنه بحر ، أمسكي يدي يا رجاء إنها باردة كالثلج لست أدري....لا أستطيع أن أتعرف على مشاعري.
رجاء: (مثارة) ضع ذلك في رأسك يا فارس ... أنت لم تقتلها... أنا لا افهم مسؤولية الإبن...
ولكن يجب أن تبدل جهدا لتصدق نفسك ... أنت لم تقتلها ... قل ذلك لنفسك.
فارس: (دون شعور ) أنا لم أقتلها .
رجاء: قل ذلك مرة أخرى
فارس: أنا أقتل أمي ... أنا لم أقتل أمي .
رجاء: ذلك سيجعل الأمور أفضل بكثير...
فارس: (شاردا) لم اقتلها ...يا إلهي .(يصيح فجأة) إن ذلك يغير كل شيء.
رجاء: (بسعادة) يغير كل شيء ... كل شيء ... لقد انتصرنا يا فارس انتصرنا.
فارس : أنا لا أستحق العقاب القاسي إذن ...
رجاء: لا.لا.لا تستحقه ... الليلة إذا ما أتى الشبح سأبصق في وجهه و سوف أقول له كاذب...كاذب...
مصدر التص:
غسان كنفاني الآثار الكاملة – المسرحيات – المجلد 3 – مؤسسة الأبحاث- مؤسسة غسان كنفاني الثقافية ، ص : 266 و ص : 270.

المسرح فن من الفنون الجميلة و يعده البعض أب الفنون لقدرته على توظيف كل الأشكال التعبيرية المعروفة ، من رقص و موسيقى و شعر ورسم ... و يعد المسرح في عالمنا العربي فنا دخيلا ، و قد ظهر فن المسرح داخل حركية تطور أشكال الكتابة النثرية التي تحكمت فيها سياقات التحول الاجتماعي الذي شهدته المجتمعات العربية و الذي واكبه ظهور فن المقالة و القصة على أن المسرح جنس أدبي متميز تحدده مكونات أساسية هي: (الحدث-الحوار-الصراع الدرامي ...) و إذا كان كذلك فما هي الموصفات التي تميز الخطاب المسرحي؟ و ما خصوصية الكتابة عند غسان كنفاني؟
إن تحليلنا للمسرحية يبدأ بعنباتها الأولى التي هي العنوان المنقسم إلى مصطلحين اثنين ، فالمصطلح الأول :
جسر مفرد جسور و هو يطلق على اسم مكان و يطلق على العلاقات و الروابط الوثيقة ، حيث نقول ربط فلان مع فلان جسور التواصل ، و في هذا النص ترمزإلى مدى تعلق فارس الإبن الفلسطيني بأمه ، و أما المصطلح الثاني فيتعلق ب إلى الأبد و تعني حسب النص رحيل فارس و مغادرة أمه الأرض (فلسطين) و ما خلفه رحيله عنها في نفسيتها من كآبة و حزن شديد .
و لقد جاءنا النص عبارة عن خطاب مسرحي يبرز من خلاله الكاتب العذاب و المعاناة التي يعاني منها البطل و هو شخصية فارس باعتقاده الخاطئ أن غيابه عن أمه تسبب في موتها ، لكن رجاء اكتشفت من خلال اضطلاعها على التقرير الطبي أن أم فارس توفيت فجأة بسكتة قلبية قبل أن يغادر ابنها المدينة ، و اكتشافها هذا خلص فارس من عقاب تأتيب الضمير الذي أصبح يهدد و جوده .
أما المؤشر الثاني في بناء فرضية النص فيرتبط بشكله إذ نراه عبارة عن متوالية حوارية يهيمن فيها الحوار على السرد على عكس القصة التي نجد فيها هيمنة السرد على الحوار كما هو في قصة شغلانة ليوسف إدريس . و على الأساس أمكن تقسيم النص إلى مجموعة من الأحداث ، فالحدث الأول يتعلق بالإعتقاد الخاطئ الذي عذب شخصية فارس معنبرا غيابه عن أمه كان سببا مباشرا في موتها مما جعله يعيش حالة من الياس و الحزن و أصبحت حياته بمتابة جحيم ، و أما الحدث الثاني فيتعلق الأمر باكتشاف رجاء المفاجئ على ان أم فارس ماتت فجأة بسكتة قلبية قبل أيرحل عنها ابنها و يغادر البيت و ذلك من خلال اضطلاعها على التقرير الطبي و التي أمرت فارس أيضا بالذهاب للتحقق و التأكد من صحة الخبر ، و قد كان اكتشافها هذا بمتابة وسيلة و طريقة لتخلص فارس من العقاب النفسي القاسي الذي أصبح يشكل خطرا على حياته و مستقبله.
ومن خلال كل ما سلف نرى أن النص يغلب عليه البعد النفسي ما دام يتناول الأحاسيس الداخلية للبطل ، فالمسرحية قادرة على أن تكشف لنا أحوال النفس البشرية كما أن الخطاب المسرحي مرآة ناقلة لنبض المجتمع كما رأينا ذلك عند عبد الكريم برشيد و قادر أيضا على الانفتاح على قضايا سياسية كما نجد عند سعد الله و نوس.
و بانتقالنا إلى خصائص الخطاب المسرحي نجد من بين أهم المميزات التي تميزه عن باقي سائر الفنون الأخرى كالقصة و المقالة هو وجود الصراع الدرامي حيث ساهمت العديد من الإشارات المسرحية الآتية في تجسيد الملامح النفسية لهذا الصراع و تتمثل في شخصية : فارس : (مذهولا – منهارا – مترددا – شاردا ...) زائد (كمن فقد رشده) .
وسيفيق من حالة الشرود حين يصيح فجأة بعد أن استوعب الموقف ، و أما شخصية رجاء فتتجسد ملامحها النفسية التي أدت إلى وجود صراع درامي قوي و ذلك من خلال تواثر مجموعة من المؤشرات الدالة على ذلك و من أهمها : (تصيح- شبه باكية – تلهث- تتنهد – بسعادة...).
وتعكس هذه المؤشرات كلها على حالة الانفعال و التوتر النفسي الشديد التي عاشتها رجاء في بداية الخطاب المسرحي و هي تحاول إقناع فارس ببراءته من دم أمه . لكن في النهاية تتحول حالة الانفعال و المعاناة إلى سعادة كبيرة نتيجة نجاحها في مهمتها و هي كشفها بأن فارس لم يقتل أمه و أنه بريء من دمها.
و أما الخاصية الثانية المميزة للخطاب المسرحي فتتمثل في هيمنة الحوار و بموجب ذلك نعتقد أن المسرحية هي عبارة عن متوالية حوارية عكس القصة التي يهيمن عليها السارد و الذي يبقى دوره محصورا في الخطاب المسرحي على توزيع بعض الأدوار و بعض الجمل الإخراجية و من أمثلة ذلك :
• صوت قرع شديد على باب.
• تصمت هنيهة.
• صوت أقدامه ثم مزلاج الباب يفتح.
و إلى جانب هذا و بمقارنتنا بين حوار فارس و رجاء نجد أن حوارات رجاء طويلة في حين نجد حوارات فارس شبه قصيرة و يمكن إرجاع ذلك إلى انفعالها و توترها الكبير من جراء خوفها و اعتقادها الخاطئ بأن فارس مذنب و كان سببا في وفاة أمه و لذلك فهي تطرح أسئلة كثيرة و هذفها يتمحور حول بحثها على الحقيقة . كما أن الحوار يستطيع أن يكشف لنا على الصراع النفسي الحاد الذي عاشه فارس بسبب شعوره بالذنب و إحساسه أنه يستحق العقاب وهو صراع تكثفه الجملة التالية:
(لست أدري ... إن صدري يموج كأنه بحر ... لا أستطيع أن أتعرف على مشاعري...).صراع حققت حدته أيضا فمحاولات الإقناع على لسان رجاء و ذلك من خلال استثمارها لمجموعة من الأساليب الإنشائية كالإستفهام و هو في النص موجود بكثرة و مثال ذلك : كيف؟كيف؟ - لايغير شيئا أيها الأحمق ...كيف؟ بالإضافة إلى أسلوب النداء و مثال ذلك إفتح يا فارس ...افتح...افتح...و كذلك استعمال أسلوب النفي كقول فارس : لم أقتلها ؟ ومما يميز الخطاب المسرحي أيضا توطيفه الخاص للأمكنة و الفضاءات ففضلا عن مكان العرض الذي هو خشبة المسرح نجد أن هناك أمكنة ترتبط بالأحداث و هو المنزل حيث توجد بعض المؤشرات التي تدل عليه في النص و من بينها :
• افتح يا فارس ... افتح ... افتح.... .
• لقد ماتت بعد نصف ساعة فقط من مغادرتك البيت .
• صوت قرع شديد على باب .
و من كل ذلك يتبين لنا أن البيت هو المكان الخاص الذي تجري فيه الأحداث و الوقائع إضافة إلى ذلك هناك فضاءات أخرى عامة (كالمدينة – المطار – الطريق...) و مع تنوع المكان نجد أيضا تنوعا للزمان فأمكن القول بعد ذلك إن الزمن العام هو الصباح من خلال تواثر مجموعة من الإشارات الدالة على ذلك كقول فارس:
أتيت مبكرة اليوم هل من جديد و قول رجاء أنت قلت أنك غادرت البيت يوم الثلاثاء في الساعة الثامنة و النصف صباحا . و هذا يؤكد لنا أن زمن الصباح هو المهيمن في النص بالإضافة إلى الزمن العام هناك زمن خاص و هو الليل بدليل قول رجاء : لا.لا.لاتستحقه الليلة. و هذا الزمن في النص قليل بالمقارنة مع زمن الصباح ، و أما الزمن النفسي فيتنوع بتنوع الشخصيات . و من أهم ما يميز النص المسرحي هو وجود قوى فاعلة تحرك مجرى الإحداث داخل النص و تخلق لنا حوار يطبعه الصراع الدرامي ، ففي هذا النص نجد أن الكاتب ركز على شخصيتين رئيسيتين هي التي تقوم بتحريك الأحداث و الوقائع في حين يمكن أن نجد في بعض المسرحيات تعدد في الشخصيات أي نجد أكثر من شخصيتين. وبانتقالنا إلى مظاهر اتساق النص نجده أنه يضمن من خلال توظيف الكاتب لمجموعة من الوسائل اللغوية التي وفرت له اتساقه و انسجامه و نذكر الربط بين الجمل و العبارات بواسطة أدوات العطف و هي في النص كثيرة و غيرها و كذلك تزظيفه للجمل الرابطية و مثال ذلك كانت تشتري طعاما للغذاء ، و كانت على وشك العودة إلى البيت.
كما نجد أيضا توظيف و تنويع الضمائر من ضمير ( المتكلم – الغائب – المفرد – المخاطب) . و تكرار بعض العبارات و الألفااظ في النص : ( تصيح – لم أقتلها- البيت – الصباح ....).
وخلاصة القول إن الخطاب المسرحي نوع أدبي حديث يمثل تطوراا للأشكال الأدبية القديمة كالحكاية و المقالة و هو إطار ناقل لنبض المجتمع منفتح على قضايا سياسية و فكرية قادر على أن يكشف أحوال النفس البشرية و هو شكل فني تمكنه طبيعته من الانفتاح على باقي الفنون الأخرى كالموسيقى و التشكيل و الرقص بل و حتى السينما فضلا عن الغبداع اللغوي.

منهجية تحليل نص قصصي


منهجية تحليل النص القصصي
-1 - المقدمة /تأطير النص
وضع النثر العربي: ا- قبل النهضة: انحطاط اللغة و الأدب - الاهتمام بالشكل دون المضمون- التكلف و الاهتمام بالصنعة و الزخرف اللغوي و البديعي – الأسباب : التخلف + التتريك و الاستبداد العثماني – الجمود الفكري و انحصار اللغة و الأدب العربي ..
ب- خلال النهضة و ما بعدها / العصر الحديث : ظهور أشكال و أجناس أدبية جديدة ( المقالة + المسرحية + القصة القصيرة..) رغم القول بوجودها في تراثنا الأدبي (فن الرسالة و الأشكال ما قبل مسرحية و الحكاية بمفهومها التقليدي )+العوامل الكبرى المساهمة في بروز هذه الأجناس :1- التحولات الاجتماعية و السياسية و الثقافية الكبرى - إحياء التراث و العودة إلى بيان اللغة العربية و رصانة أسلوبها عند القدماء ( دور المدرسة البيانية ) – 2- التأثر بقيم الغرب وبالآداب الأوربية عن طريق حركة الترجمة والاقتباس - 3- تأصيل هذه الفنون الجديدة لتتناول الواقع العربي و قضاياه الراهنة ...
الحديث عن فن القصة القصيرة: - تعريف موجز بفن القصة القصيرة و بأهم خصائصه (كجنس أدبي نثري سردي يقوم على المشهد و اللقطة أو الومضة و الاختزال و الكثافة في كل العناصر:شخصيات وفضاءات و الوصف و اللغة ... ) + الإشارة الى أهم كتابها في المشرق و المغرب ( في الشرق :محمود تيمور – يحيى حقي – نجيب محفوظ- جمال الغيطاني – حنا مينا - يوسف إدريس...) (في المغرب :عبد المجيد بن جلون – إبراهيم بوعلو- محمد زفزاف – أحمد بوزفور – خناتة بنونة - ادريس الخوري – محمد شكري...)
>> صياغة اشكالية عامة حول مدى مساهمة القصة القصيرة الحديثة في تطوير النثر و الأسلوب العربي و معالجة القضايا الاجتماعية و النفسية ..
- النص كنموذج للقصة القصيرة : تحديد نوع النص و توثيق مصدره - الإشارة المركزة إلى صاحبه / كاتبه ( نشأته و تكوينه الثقافي و الفكري و أهم أعماله..)
-2- العرض ( الملاحظة و الفهم و التحليل )
ا- ملاحظة النص :من حيث : - حجم النص و دلالة عنوانه و بداية و وسطه و نهايته >> صياغة الحدث الرئيس في القصة و تحديد طبيعته (واقعي –خيالي – اجتماعي – نفسي ....) و افتراض القصية /الإشكالية العامة التي يعالجها+ صياغة أسئلة تفرع الإشكالية و تحدد المسار المنهجي للقراءة وتوجهها اعتماد على ما ذيل به النص من أسئلة.
ب - فهم النص: من خلال تتبع الحدث في القصة و تحديد المتن المحكي في النص و تصنيفه ( جرد الوقائع و الأحداث + الوضعيات و القضايا و الحالات + المواقف و الأفكار و القيم ...)
ج - تحليل النص:
1)حبكة و بنية الحدث في القصة: - الوضعية الاستهلالية - الأحداث التابعة :خطية متسلسلة أم تكسيرية تقوم على الاسترجاع و الفلاش باك أم دائرية /مغلقة أم مركبة أم مفتوحة ،تحديد العقدة و لحظة التوتر – الوضعية النهائية ( الحل و النهاية )
2)الرهان – تحديد رسالة الكاتب و الموقف و الدلالة التي يراهن عليها الحدث في القصة 3)تحليل الشخوص و باقي القوى الفاعلة: - جردها و تصنيفها ( الشخصيات الآدمية :رئيسية , ثانوية , عابرة/ أهم القوى الفاعلة :غير الآدمية / وقائع /كائنات /أشياء / قيم و وضعيات ) – تحديد وظائفها وفق المقاربة العاملية ( المرسل و المرسل إليه / الفاعل /الذات و الموضوع / المساعد و المعيق - تحديد مستوى العلاقات بينها ( علاقة التواصل – علاقة الرغبة – علاقة الصراع )
4)تحليل البعد النفسي للشخصيات : كيف تقدم القصة نفسية الشخصية الرئيسة من الناحية العاطفية والوجدانية و الشعورية و السلوكية اعتماد على الحقل المعجمي الدال على ذلك – كيف تتطور هذه النفسية عبر تطور الحدث ؟– ما العوامل و القوى الفاعلة المساهمة في هذا التطور ؟
5)تحليل البعد الاجتماعي للشخصيات :- من خلال تتبع أوصافها الخارجية ( المهنة و الملابس والمسكن و الوضع الاجتماعي /الفقر±الغنى..) علاقاتها الاجتماعية >> دلالة الشخصيات و رمزيتها الاجتماعية + البعد الواقعي : مدى تمثيليتها للواقع السياسي والثقافي والحقوقي والإنساني للشخصيات .. 6)تحليل الفضاء في القصة ( الزمان و المكان)- : ا-تحديد بنية الزمان في القصة: ( الماضي /،استرجاع/التذكر ،الحاضر و النستقبل /استباق/الحلم /الاستشراف/الطموح – الزمن النفسي/القلق و التوتر، الترقب، الانفراج ... تحديد الزمن يتم من خلال الإحالات الزمنية في النص ( زمن الأفعال +الألفاظ الدالة على الزمن ) + الزمان من حيث الإيقاع ( البطء و السرعة و الرتابة بحسب نفسية الشخصية و سير الأحداث و أهميتها و ما تتطلبه الكتابة القصية من كثافة و اختزال زمني على القارئ ان يتخيل الفراغات الزمنية المحال التي تحيل عليها علامات الدالة على الزمن في النص القصصي ... + بيان و وظيفة الزمان و دلالاته ( الواقعية و الرمزية و دوره في بناء الحدث و الشخصية و خلق عنصر الدراما و التشويق)
ب- تحديد بنية المكان : - جرد الأماكن الموصوف و طبيعتها + واقعيتها أم أنها متخيلة + وظيفتها كقوة فاعلة في تطور الحدث و بناء الشخصية + دلالتها و رمزيتها و ما تعكسه من الواقع الاجتماعي للشخصية ...
7)السرد و تقنياته في النص : تحديد ضمير السرد و من خلاله تحدد وجهة النظر أو الرؤية السردية وعلاقة السارد بالشخصية من حيث المعرفة :( من فوق أو خلف(السارد > الشخصية )– الرؤية مع( السارد = الشخصية) – من خارج (السارد<الشخصية)- البنية السردية: ويتعلق الأمر ببناء وسرد الأحداث و إيقاعها بحسب نوع القصة ( قصة الحدث أو قصة الشخصية أو قصة الفكرة ..) و البنية السردية ، هي إما: خطية تعاقبية أو الدائرية / الحلزوني أو تكسيرية تتداخل فيها الأزمنة أو بنية مفتوحة على كل الاحتمالات على المتلقي أن يتخيلها. الوصف : - أهم الموصوفات في النص ( الشخصيات ،الأمكنة،الأشياء )- وظائف الوصف :التعريف بالشخصيات نفسيا و اجتماعيا ،التعريف بالأمكنة + إنارة الأحداث و المساهمة في خلق التشويق و الترقب + الوظيفة الجمالية + مدى احترام الكاتب لمبدأ الكثافة و الاختزال في الوصف .. الحوار : حوار نفسي / حوار بين الشخصيات /الأطراف المتحاورة + وظائف الحوار : التعريف بالشخصيات من خلال طبيعة و عيها و طبيعة العلاقة بينها و هل احترم الكاتب مبدأ تعدد الأصوات بحيث أن كل شخصية تنطق بوعيها أم انه مرر خطابه على ألسنتها أثناء التحاور اللغة و الأسلوب : * تحديد طبيعة اللغة من حيث الألفاظ ( من حيث طبائعها الصوتية و المعجمية : بسيطة / معقدة / عامية / إيحائية رامزة / الحقل الدلالي المهيمن و ربطة بموضوع القصة و القضية التي تعالج )+ * تحديد طبيعة الجملة من حيث كونها :بسيطة مركزة مختزلة أو مركبة مفصلة للحدث و الوصف + خبرية أو إنشائية + تقريرية مباشرة أم مجازية انزياحية تساهم في شعرية الأسلوب الكاتب للتأثير في المتلقي و شده وخلق عنصر اللذة و المتعة لديه ( يقف التلميذ على بعض النماذج من الجمل ليحلل طرائق الربط فيها و مواطن الجمال التي حققتها الصور البلاغية في التعبير ...) -3- الخاتمة(تقويم و حكم العام)- خلاصة عامة لنتائج التحليل و بيان إلى أي حد يمثل النص خصائص فن القصة القصيرة بشكل عام بالمقارنة مع الأجناس الأدبية الحديثة الأخرى ( المقالة و المسرحية و الرواية )،و خصائص و مميزات الكتابة القصصية عند الكاتب و أهم مرجعياتها الذاتية و الفكرية و الاجتماعية عنده بصفة خاصة. إعداد الأستاذ :لمجيد تومرت أستاذ اللغة العربية بثانوية يوسف بن تاشفين التأهيلية بمدينة خريبكة المغربية

الأحد، 7 مارس 2010

القراءة التركيبية

القراءة التركيبية لظاهرة الشعر الحديث لأحمد المعداوي دراسة في" ظاهرة الشعر الحديث " *
ذ. أحمد اتزكنرمت
يتضح من خلال الفصول السابقة أن أحمد المعداوي يدرس ظاهرة الشعر العربي الحديث دراسة تاريخية تطورية واجتماعية معتبرا أن الشعر العربي الحديث قد قطع مع شعر إحياء النموذج (الإحيائي)وشعر سؤال الذات (الرومانسي) على مستوى الشكل والمضمون والوظيفة، مبرزا أن نكبة فلسطين وهزيمة يونيو، كانا عاملين مباشرين في بروز هذا اللون الشعري، ونهاية حتمية للوجود العربي التقليدي
.1. المفاهيم والمصطلحات النقدية:إن المصطلحات والمفاهيم ليست مجرد كلمات عادية في اللغة، وإنما أداة للوصف والتفسير والتصور، و تمكن المجاطي من التوفر على عدة مفاهيمية مكنته من تناول الظاهرة الشعرية الحديثة وفق مصطلحية محددة واضحة، فاستمد مصطلحاته من حقول معرفية أربعة مختلفة، لكنها تتكامل محكما، وهي:
§ المصطلحات الأدبية النقدية: الشعر، القصيدة العمودية، مضامين، الأشكال التعبيرية، تيار الإحياء، الشكل، شعراء البعث، ديوان، الأفكار، الوسائل الفنية، الغزل، الموضوعات، النثر، غنائي، إيقاعات موسيقية، القافية، البيت، لغة القدماء، تفعيلة، الغموض، الوزن التقليدي، التدوير، الزحافات، العروض، البحور الشعرية....
§ المصطلحات الاجتماعية التاريخية:التطور، العصر، الاحتكاك الثقافي، نكبة فلسطين، الوجود العربي، العودة إلى التراث، القرن العشرين، الحضارة الحديثة، الفترة التاريخية، قيم جديدة، الفكر الحر، الظروف، الهجرة، هزيمة 1948، العامل الديني، العامل السياسي، العامل الثقافي، حداثة...
§ المصطلحات النفسية:التجربة الذاتية، معاناة، الغربة، ذات الشاعر، الغنائية، إحساس، الباطن، الألم، الرؤيا، الحدس، الانفعال، السخرية، اليأس، غربة، الزهد، الهروب، الانطواء، لاشعور جمعي، الدفقة الشعورية، العواطف، الأحلام، الهواجس، التفرد، الولع بالطبيعة....
§ المصطلحات الوجدانية- الإيحائية: الصفاء، الموهبة الشعرية، العواطف المطلقة، العقل المحض، القلب، عالم الغيب، الصوفي، السعادة المطلقة، الشقاء، الضعف اللغوي، تفجير الأشكال القديمة، واقع الهزيمة الأسود، ألوان التمزق، الطريق المظلم، الإيقاع الشعوري، جو أسطوري، النغمة المستوردة، النفس التقليدي....ويمكننا إزاء هذه المفاهيم والمصطلحات التي وظفها أحمد المعداوي في وصف وتفسير وتأويل ظاهرة الشعر الحديث، أن نسجل الملاحظات التالية:
§ هيمنة المصطلحات والمفاهيم النقدية الأدبية، الدالة على مجموع المجالات الأدبية والنقدية التي استعان بها المعداوي في إطار معالجته للشعر الحديث، فتوزعت بين المجالات المعرفية الأدبية والمعرفة النقدية، مما ينم عن إحاطة شاملة بالموضوع وقدرة متمرسة على تذوق النصوص الأدبية، وتحليلها وتأويلها بأدوات علمية.
§ احتلال المصطلحات الاجتماعية _التاريخية موقع الصدارة وتفسير ذلك يعود إلى تناول الكتاب لظاهرة أدبية أنتجها شعراء يتقاسمون قيما إنسانية وجمالية، وعاشوا في ظروف اجتماعية وسياسية متقاربة، أفرزها واقع ما بعد النكبة والنكسة والوجود العربي التقليدي.
§ الحضور الواضح للمصطلحات والمفاهيم النفسية، حيث اهتم الكاتب بمدى تفاعل الشعراء مع واقعهم وإحساسهم بفداحة الهزيمة ومرارة الواقع.
§ الحضور النسبي للمصطلحات الوجدانية_ الإيحائية، حيث سعى الكاتب إلى تقويم مسيرة الحركات الشعرية المدروسة، وتأويل تجاربها تأويلا ذاتيا شخصيا، أو التعقيب على رأي دارس أو ناقد
.2. المنهج أو طرائق العرض:
يسعى المجاطي، بكل ما أوتي من قوة نظرية أو معرفة تاريخية أو أدبية، إلى إثبات نتيجة تتمثل في خصوصيات الشعر العربي الحديث وتخصيص وسائله، معتمدا على توجه منهج وطرائق عرض، يمكن أن نجمل معالمه كما يلي:
‌أ- التدرج من العام إلى الخاص: إذ خص بداية كل فصل، من فصول الكتاب، بمقدمة عامة تترجم أهدافه العامة والخاصة، يشرع في شرحها وتفسيرها وتعليلها متدرجا من العام (شكل القصيدة الإحيائية أو الوجدانية أو الحداثية) إلى الخاص (ما يميز كل شكل على حدة) مستعينا بالحجج والأدلة المناسبة الآتية:
- المعطيات التاريخية والاجتماعية والأدبية المفسرة للظاهرة.
- أقوال الدارسين والنقاد الذي عنوا بالظاهرة وأدلوا فيها برأي.
- الوقوف على المضامين والخصائص الفنية لمقطع أو قصيدة شعريين.
‌ب- المقارنة: من أشد الوسائل المنهجية والحجاجية وضوحا و دلالة من خلال استخلاص أوجه الاختلاف والتشابه، بين الظواهر المدروسة، ومن أمثلة المقارنة:
- المقارنة بين مفهوم الوجدان عند أصحاب جماعة الديوان (العقاد والمازني وشكري) والمقارنة بين النتائج المترتبة على ذلك الاختلاف، فالعقاد فشل في المزاوجة بين الفكر والعواطف، بينما استمد شكري طابعه المظلم من أغوار نفسه الكسيرة، وأما المازني فقد انتقل إلى النثر الذي يسمح باتساع رقعة السخرية التي ميزت أدبه.
- المقارنة بين جماعة أبولو وجماعة الديوان وتيار الرابطة القلمية في قضية التفاعل مع القضايا القومية، والقول إن ما يعتد به من شعرهم هو ما كان وجدانيا ذاتيا.
- المقارنة بين تجربة الغربة وتجربة الموت، والانتهاء إلى أن التجربة الأولى مشدودة إلى الحاضر، وأن التجربة الثانية مشدودة إلى المستقبل.
- المقارنة بين إيثار الشاعر المهجري الحياة السهلة على معاناة الموت، يعكس الشاعر الحديث الذي اقترنت لديه تجربة الموت والحياة بتجربة موت الذات والحضارة.فالمقارنة واسعة الاستعمال في كتاب المجاطي، وهي‌
ج- الاستشهاد: استشهد المجاطي بأقوال كثير من الأدباء والنقاد والمفكرين العرب (قدامى ومحدثين) والغربيين، ومنهم نذكر: شكري عياد ومحمد النويهي وعز الدين إسماعيل وغالي شكري وأدونيس وجبران خليل جبران وميخائيل نعيمة وصلاح عبد الصبور وكولن ويلسون وطوماس إليوت وريتشارد...) وهي استشهادات اضطلعت بالعديد من الوظائف، منها التمهيد لفكرة أو شرحها أو التعليق عليها. المجاطي لا يورد الاستشهاد إلا إذا كانت وظيفته السياقية والكلامية واضحة وجلية. ولا يورد الاستشهاد إلا مقرونا برأيه أو تعليقه إيجابا أو سلبا، الأمر الذي يعني أن الاستشهاد جزء من الخطاب النقدي وأداة حجاجية محكمة للتدليل على سداد موقف طرف وعلى هشاشة رأي طرف آخر.
‌د-التمثيل: ما دام الكتاب دراسة وبحثا في الشعر، فمن الطبيعي أن يورد المجاطي عشرات الأمثلة الشعرية، من أجل توكيد رأيه أو ترجيح تحليله، وقد أورد عشرات الأمثلة الشعرية موزعة بين الأبيات والأشطر والمقاطع والقصائد لجل شعراء التيار الوجداني (عباس محمود العقاد و عبد القادر المازني وعبد الرحمن شكري وجبران خليل جبران وميخائيل نعيمة وإيليا أبو ماضي وأحمد زكي وأبو شادي وعلي محمود طه وعبد المعطي الهمشري وأبو القاسم الشابي) وأغلبية الشعراء المحدثين (بدر شاكر السياب ونازك الملائكة وعبد الوهاب البياتي وأدونيس وصلاح عبد الصبور وأمل دنقل وأحمد عبد المعطي حجازي).3
. الخلفيات النقدية أو المرجعيات المعرفية:توسل أحمد المجاطي أكثر من منهج نقدي، فإذا كان المؤلف قد استعان بالمنهج التاريخ الاجتماعي، في جل فصول الكتاب، فإننا نجد إلى جانبهما منهجين آخرين، وهما: المنهج النفسي والمنهج الموضوعاتي.
أ‌- المنهج التاريخي: حرص الناقد المجاطي منذ البداية على الربط بين الظواهر الشعرية المدروسة والفترة الزمنية التي شهدت ميلادها، فهو يتتبع نشوء الحركة الإحيائية ويصلها بالخلفية التاريخية التي استلهمتها، كما تتبع نشوء الحركة الوجدانية، وكيف شقت طريقها متأثرة بعوامل داخلية عربية، وأخرى أجنبية ممثلة في قراءة شعرائها للآداب الأجنبية، وتشبعهم بالقيم الغربية في مجالات الحياة والثقافة، كما يجد في الواقع العربي المطبوع بالهزائم، وانتكاسات عامي 1948 و 1967، والهجوم الثلاثي على مصر والحركات الاستقلالية وقيام أنظمة تقدمية أو سقوطها العوامل التاريخية المباشرة في ظهور حركة الشعر الحديث.
ب‌- المنهج الاجتماعي: يميل الناقد المجاطي إلى هذه المنهجية، ويعلل بها قيم الشكل والمضمون في أشعار الشعراء الوجدانيين المحدثين، فهروب الشعراء الوجدانيين ويأسهم من الواقع هما نتيجة سخطهم على قيم هذا المجتمع، ويأسهم من الإنسان وحضارته، ولعل التلاؤم الذي سجله المجاطي بين الأشكال الشعرية الوليدة وبين حركة المجتمعات العربية دليل آخر على أن ظاهرة الشعر الحديث، في شقها الأساس، منتج اجتماعي عربي، موسوم بما في المجتمع من توترات ومد وجزر.
ت‌- المنهج النفسي: يبين احمد المعداوي المجاطي، في هذا السياق أن السمات الجديدة للقصيدة نابعة من التجربة النفسية والشعورية التي مر منها الشاعر، فطبيعة كل تجربة تحتم عليه أن يكثر من التفعيلات أو يقتصر على بعضها فقط، ويختار الوحدات الموسيقية المناسبة التي بإمكانها أن تستوعب الدفقات الشعورية التي تختلج في نفسه، وما يسترعي الانتباه، في هذا السياق أن المؤلف مفتتن ومعجب بكتاب الشعر العربي المعاصر لعز الدين إسماعيل ليس على المستوى المنهجي فحسب، وإنما على المستوى الاصطلاحي أيضا. فالأول استلهم من الثاني المنهجية التي استند إليها لتعليل ظاهرة التجديد الشعري من الزاويتين النفسية والشعورية، وفي السياق نفسه أعاد استثمار مصطلحيته لفهم أبعاد التجربة الجديدة ومنطلقاتها، ومكمن قوتها لإرساء قواعد شكل جديد، ومن بين المصطلحات التي تشبع بها الناقد من كثرة قراءة كتاب الشعر العربي المعاصر والإعجاب به: تفتيت البيت والتنويع الإيقاعي والإطار الموسيقي الجديد والمرونة والطواعية والقافية المتحررة والدفقة الشعورية والسطر الشعري والجملة الشعرية...ث‌- المنهج الموضوعاتي: تقوم هذه المنهجية النقدية على الاهتمام بدراسة الموضوعات التي تتمحور حولها الآثار الأدبية، وقد استثمر المجاطي إمكانات هذه المنهجية في الفصلين الثاني والثالث، وذلك لاستخلاص الموضوعات التي تهيمن على الشعر الحديث، وكشف عن عوالمه الخفية، ومن بين هذه الموضوعات نذكر ما يلي:
- الغربة والضياع: اشتق منها المؤلف أربع موضوعات فرعية، وهي: الغربة في الكون، والغربة في المدينة، والغربة في الحب، والغربة في الكلمة.- الحياة والموت: استخرج منها أربع موضوعات فرعية، ومن ضمنها: التحول عبر الحياة والموت، ومعاناة الحياة والموت، وطبيعة الفداء في الموت، وجدلية الأمل واليأس.أسعفت المنهج الموضوعاتي المجاطي على الإمساك بالعناصر الدلالية والمعاني الثرة التي ميزت قصائد كل من بدر شاكر السياب وأدونيس وخليل حاوي وعبد الوهاب البياتي.وفضلا عن هذه المنهجيات المتكاملة في مؤلف المجاطي، نجد أن الكتاب يتسم بسمتين اثنتين، وهما:· سمة الموضوعية: وهي السمة الغالبة على الكتاب من حيث هي قائمة على الاستقصاء، فقد ألم المجاطي بالحركات الشعرية العربية (الإحيائية والوجدانية والحديثة) إلماما مشهودا، بمعرفة ظروف نشأتها، والعوامل التي أسهمت في تكونها وتبلور توجهاتها، وأهم روادها، ووجهات نظرهم في الإبداع الشعري، وطبيعة تكوينهم الأدبي، ودرجة تفاعلهم مع الأحداث العربية الجسيمة (على نحو نكبة فلسطين وهزيمة يونيو). إضافة إلى التحري: ونلمسه في أن المؤلف يجمع المعطيات الملائمة وينظمها ويربطها بسياقاتها الخاصة والعامة، ويستشهد بأمثلة من الشعر أو أقوال النقاد. وعموما فهو يتحرى في القضايا المعروضة من جوانب عديدة حرصا منه على إصدار حكم نقدي موضوعي.· سمة الذاتية: وهي تتجسد في تلك الانطباعات والأحكام الشخصية التي يصوغها المجاطي في قضية تاريخية أو سياسية أ أدبية أو نصية أو لغوية أو فنية أو إيقاعية. وهي في مجملها، تكشف عن موقفه الذاتي وذوقه الشخصي حيال بعض القضايا الفنية التي تحتمل تأويلات مختلفة، أو يصعب أن يحسم فيها بالمعايير العلمية كما لو كانت حقائق ثابتة. كما أن تطبيق القواعد والأصول النقدية لا يحدث آليا وإنما يعتمد على تجربة الناقد وتكوينه الشخصي والثقافي الواسع. وبهذا يظهر التمايز بين ناقد وآخر. "فقابلية الناقد في استخدام القواعد والأصول النقدية المقررة وفي كيفية تطبيقها على الإنتاج الأدبي هي التي تبرر العنصر الشخصي في النقد"[1]4. الخاتمة:إن كتاب أحمد المعداوي" ظاهرة الشعر الحديث" خلاصة اجتهادات لما كتب عن الشعر العربي الحديث و المعاصر كما لدى محمد مندور، و محمد النويهي، ونازك الملائكة، وإحسان عباس، وناجي علوش، وأدونيس، ومحمد بنيس، وعز الدين إسماعيل، وكمال خير بك، وريتا عوض، وعبد الله راجع...فهو كتاب لا يشك أحد في قيمته المعرفية والأدبية والنقدية والتاريخية، غني بالمعلومات الأدبية والتاريخية ، ودسم بالمادة الشعرية و الحيثيات البيوغرافية المتعلقة بالمبدعين والنقاد. كتاب يدافع عن الشعر المعاصر أو الشعر الحديث من خلال مقاربات متداخلة تتكئ على التاريخ والتحليل الفني وملامسة القضايا الواقعية وتجريبية التلقي. بيد أن هذه الدراسة تعتمد على منهج القضايا والظواهر لدراسة الشعر العربي الحديث من حيث المضمون والشكل للبحث عن التحولات والتطورات التي حققها هذا الشعر في تعالقه مع واقعه الموضوعي اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا وثقافيا.وعلى الرغم من قيمة هذا الكتاب من الناحية العلمية والمعرفية والأدبية والتاريخية والنقدية، إلا أنه قد سقط في بعض الأحكام التعميمية والذاتية الانطباعية.[1] حكمت علي الألوسي، مفاهيم في الأدب والنقد، تصوير وطبع المطبعة الوطنية، مراكش، 1982، ص. 22.*أستاذ وباحث في التواصل وتحليل الخطاب