قراءة في كتاب "ظاهرة الشعر الحديث" من إنجاز الأستاذ: مولاي علي سليماني
صاحب الكتاب:أحمد المعداوي شاعر وناقد ينطلق في دراسته من رؤية شاعر مارس الشعر، وجامعي له خبرة في تدريس الآداب وإلمامه بعلم العروض، وهذه العوامل كلها أهلت المعداوي ليكون أحد الشعراء النقاد الذين دعوا للحداثة ونادوا بها بنيس وأدونيس...
القسم الأول:
الفصل الأول: التطور التدريجي في الشعر الحديث
الشعر العربي القديم
إن التطور في الشعر العربي يخضع حسب الكاتب إلى أمرين: الحرية والاحتكاك بالثقافة الأجنبية، ولم يتحقق هذا التطور في الشعر القديم وتحديدا في العصر العباسي إلا مع أبي نواس والمتنبي وأبي العلاء، إضافة إلى كون هذا التطور قد حصل فنيا في شعر الموشحات.
إن دعوة المجاطي إلى الاحتكاك بالثقافة العربية مع شعراء الحداثة تجاوزت الاحتكاك إلى حد الاستلاب الشعري، حيث لم تعد ملامح الشاعر الحداثي تظهر، بل إننا أصبحنا بإزاء شعر غريب لا هو بالغربي ولا هو بالعربي بل إنه شعر هجين أضاع من خلاله الشاعر الحداثي العربي كل خصوصياته. وعموما خلص المجاطي إلى أن الشعر العربي القديم لم يحقق تطورا ملحوظا لانعدام الحرية الإبداعية وقلة الاحتكاك بالآداب الأجنبية.
فأما بخصوص الحرية الإبداعية فنقول إن الشاعر القديم لم يكن ينظر إلى قوالب القصيدة و أوزانها و قوافيها مقيدا لحريته الإبداعية لأنه كان ينظم الشعر عن طبع و سليقة في مجتمع شاعري كله, وما المعارضة في الشعر إلا دليل قوي على قدرة الشاعر العربي على نظم الشعر من غير تكلف وتحت مجموعة من الشروط المسبقة . ومع ذلك لا مجال للحديث عن تقييد الحرية الإبداعية، و أما الاحتكاك بالثقافة الأجنبية فلا بد وأن يكون مشروطا بالقدرة على تمييز الصالح من الطالح مع صحافة قوية تجعل المنفتح على الثقافة الأجنبية يعتمد الانتقاء منهجا للتعامل مع الثقافة الأجنبية و إلا فإن النتائج لن تكون محمودة , و الدليل قائم في الشعر الحداثي العربي بشكل عام , حيث لا نكاد نرى خصوصية للشاعر العربي, و إنما أصبحنا بإزاء ما أسميه متحفظا "شعر" انسلخ فيه أصحابه عن كل مقوماتهم و خصوصياتهم
و مرجعياتهم و التراكمات المعرفية والشعرية التي خلفها أسلافهم , فضاع الشعر بذلك و هكذا يقتنع المعداوي بأن الشعر القديم لانعدام السببين المذكورين عرف الثبات و المحافظة على الأصول.
و الناقد يصف الشعر القديم بالشعر المحافظ, ومصطلح "المحافظة" ليست سمة إيجابية إنه يحملها دلالات قدحية لا حصر لهاـ
التيار الإحيائي
يعد التيار الإحيائي من نظر –الناقد- الوجه الثاني للشعر القديم, وهو تيار سلبي في غالب أحواله لأنه يعتمد التقليد و المحاكاة للنمط الجاهز من الشعر العربي القديم.
وتجدر الإشارة إلى أن توظيف "المحاكاة" يستند إلى خلفية تقوم على انتقاص ونقد التيار الإحيائي,لأن المحاكاة في قصارى ما تبلغه أن تنتج صورة مشوهة للأصل المقتبس عليه.
ولا ننكر أن ما طالعناه من شعر الإحيائيين يعتبر بحق شعرا جديرا بالقراءة لجمعه بين الإقناع و الإمتاع فضلا عن كونه شعرا رساليا استمع شعراءه لنبض واقعهم، فعالجوه بشعر رصين ـ و ما اشتكوا ـ من ثقل النمط القديم في النظم عليهم ، و هل ينكر على الإحيائيين إحساسهم الوطني و القومي و البعد الأخلاقي و الشعور النبيل في شعرهم إلا جاحد.
التيار الذاتي
جماعة الديوان:
ظهر هذا التيار مع جماعة الديوان(العقادـ عبد الرحمان شكري، المازني) الذين ربطوا الشعر بالذات واختلفوا اختلافا طفيفا حول مفهوم الشعر.
والشعر الوجداني عند هذه الجماعة ارتبط بالذات لسببين أولهما: إعادة اﻻعتبار للذات المصرية، وثانيهما انتشار الفكر الحر بين المثقفين والمبدعين المصريين. ويبقى هذا التيار في نظر المعداوي سلبيا بقي أسير الذات ولم يتجاوزها إلى تغيير الواقع .
إن المعداوي انتقد التيار الإحيائي و التيار الذاتي لأن الأول يقوم على الذاكرة التراثية و الثاني على الذاتية المثالية الباكية بعد هذا الطعن للتيارين السالفين يشحذ المعداوي مديته للنيل من تيار الرابطة القلمية.
الرابطة القلمية:
على الرغم من أن الرابطة القلمية قد عاشت المد القومي ( نذكر من شعرائها: جبران، نعيمة ،-إيليا أبو ماضي) وتأثرت كثيرا بالآداب الأجنبية إلا أنها تبقى في نظر المعداوي سلبية, حبيسة الذات تتجرع اليأس و الخنوع
و الاستسلام، ومضامين شعرهم بقيت بعيدة عن حقيقة الوعي القومي الذي يستلزم التغيير.
جماعة أبولو:
أسس هذه الجماعة أحمد زكي أبو شادي في مصر سنة 1932، وهذه الجماعة كسابقتها تلقت ضربات موجعة من المعداوي- فاعتبرها هي الأخرى سلبية يهرب شعراؤها من واقعية الحياة إلى انكماش الذات , يفرون من المدينة إلى الغاب يجرعون الخيبة و اليأس و المرارة , والذي يزيد من سلبية هذه الجماعة هو تناظر التجارب و تماثلها مما كرس الاجترار و التكرار...
إلا أن المعداوي تعامل مع كل من التيار الإحيائي و التيار الذاتي بجماعاته الثلاث بنهج الكيل بمكيالين, فالصنعة تقتضي أن يظهر المعداوي بعض محاسن التيارين وهي كثيرة وعديدة لكي يتقبل القارئ نقده لهما, ولئلا يبدو كتاب المعداوي كله تحامل محموم على التيارين يبغى من خلاله أن يوطئ ويمهد الأجواء للشعر الحديث باعتباره البديل الذي استوفى الشروط وحقق التقدم حسب المعداوي. ولا غرابة فهو أحد شعراء الشعر الحديث ويبدو عسيرا على المعداوي أن ينتقد حركة كان أحد مؤسسيها على الأقل في المغرب.
إن جماعة أبولو ذ بجت قصائد قومية ووطنية , وما قصيدة الشاعر أبو القاسم الشابي إلا نموذجا لشعر حرك الهمم وبعث على الفعل الإيجابي في هذه الحياة, إنها قصيدة وشمت ونقشت على ذاكرة العرب جميعا وليس التونسيون فحسب, فقد اتخذها الشعب التونسي لأهميتها , نشيدا وطنيا , وهذه القصيدة بما فعلته في التونسيين وفي الذاكرة العربية ذكرتني بما فعلته قصيدة عمرو بن كلثوم في قومه تغلب.
القسم الثاني: نحو شكل جديد
إذا كان أهم ما يميز القصيدة الإحيائية تقليدها للنموذج في رصانة اللفظ وجزالة الأسلوب وبداوة المعجم فإن التيار الوجداني قد مال إلى السهولة في اللغة أو ما يسمى بلغة الحديث اليومي ولغة الشارع كما تجسد ذلك قصيدة العقار,''أصداء الشارع'' كما أن الصورة في الشعر الإحيائي مرجعها إلى الذاكرة المنقوشة مجموعة في الصور التي كادت أن تصير مألوفة من لدن الشعراء في حين أن الصورة في القصيدة الوجدانية انفعالية وذاتية ملتصقة بتجربة الشاعر الرومانسي ''لقد أراد الشاعر الوجداني أن يجعل للصورة وظيفة أساسية، وأن تكون هذه الوظيفة نابعة من تجربته الذاتية... ولم يعد التدبيج و الزخرفة هدفه الأساسي من استخدامها.''
وأهم ما يميز القصيدة الوجدانية , وحدة العضوية بين عناصرها، وهي وحدة مرتبطة بالوجدان.
ويبقى من أهم ملامح التجديد في شعر الوجدانيين تكسيرهم للبنية القديمة عن طريق تنويع القوافي و الأوزان و اعتماد الوحدة العضوية في بناء القصيدة وإدخال نظام المقاطع على القصيدة وتليين اللغة وتبسيطها وإزالة القداسة عن اللغة ولعل هذه النعرة كانت الشرارة الأولى التي ظهرت مع الشعراء الوجدانين ( جماعة أبولو تحديدا) وهي باكورة الحداثة الأولى التي ستأتي في شكلها البارز الظاهر مع شعراء موضة الحداثة الذين جعلوا تكسير البنية و تحطيم قداسة اللغة شغلهم الشاغل، ومن ملامح ذلك أيضا توظيف القافية المرسلة تارة و المزدوجة و المتراوحة أخرى. لكن النقاد المحافظين الذين يكافحون عن قداسة اللغة كمصطفى صادق الرافعي سينبرون إلى رأب الصدع و تقويض ما ذهب إليه الشعراء الوجدانيون، ويضاف إلى الرافعي طه حسين
و العقاد و إبراهيم انس في موسيقى الشعر ''. وهكذا يحكم المعداوي على التيار الذاتي بأنه لم يأت بجديد يذكر على مستوى المضمون و الشكل معا لأنه بقي أسير النغمات الحزينة و المحاولات التجديدية المحتشمة التي كانت تهاب أنياب النقد العربي المحافظ.
الفصل الثاني: تجربة الغربة والضياع
يحصر المعداوي ظهور الشعر الحديث أو ما يسمى بشعر التفعيلة سنة 1948 وتوالي الهزائم، خاصة هزيمة 1967. وقد أدت هذه الوضعية المتردية إلى زرع الشك في نفوس المثقفين و المبدعين و أسقط كل الوثوقيات العربية التقليدية و الثوابت المقدسة والطابوهات الممنوعة.
ولنا أن نتساءل : إذا كان السبب المباشر في ظهور شعر التفعيلة هو النكسات المتوالية فلم يظهر هذا النمط الشعري منذ سقوط بغداد و الأندلس و ما عرفته البلدان العربية من هجمات إفرنجية و استعمارات متتالية؟ ثم كيف لواقع مترد كهذا تحدثنا عنه أن يجعل الشك يتسرب إلى نفوس المثقفين , فالانهزام شيء وتسرب الشك إلى النفوس شيء آخر إذ ليس يعني هذا إلا كون هؤلاء المثقفين يمتلكون القابلية لتغلغل الشك إلى نفوسهم أي ليس لهم ثقة في أنفسهم ولا في خالقهم فالانهزام هو أول مراتب النصر، إذا أحسنت قراءة الواقع المتردي و أخد بالأسباب و بشروط الاستعداد مع اليقين في رب الأسباب. إن كلاما كهذا الذي يسلم، يتسرب الشك إلى النفوس لا تجعلنا نتردد في نسبة هذه القناعة إلى أصول فلسفات غربية لا صلة لنا بها، ويزيد الأمر فداحة عندما نستمع إلى الكاتب وهو يقرر أن ذلك الواقع المفعم بالهزائم قد أسقط كل الوثوقيات و الثوابت المقدسة.
هنا نتساءل هل يعي الكاتب فحوى قوله هذا؟ وهل كلما أصيب الإنسان بنكسة أو هزيمة تنكر للمقدسات
و للثوابت ؟ أ ليس هذا هو حال الإمعة حال الذي لا يثبت على حال، حال المرتابين المشككين في كل شيء؟
ويزيد عاملا ثانيا يرجع ظهور الشعر الحر إليه هو الاحتكاك بالثقافة الأجنبية، وهو أمر و أنكى كذلك. إننا أصبحنا بإزاء تجارب شعرية مستعارة أو إن شئت فقل تجارب يسوق لها في العالم الغربي وذلك بأن أقاموا لها هالة في النوادي الأدبية في البلدات العربية و أصبح كل من ركب هذا المركب بعيد غريب عن التجربة الحداثية الوافدة من وراء البحار.
و هذا الكلام ليس من قبيل التأويل الشخصي بل إن المعداوي يصرح بذلك وتحديدا في الهامش 1 والصفحة57 حيث أشار فئة إلى التيارات الفكرية التي أمدت الشعراء المحدثين برؤاهم الثقافية وخصص بالذكر الثقافة الاشتراكية و الثقافة الوجودية و إلى أهميتها في جعل التجربة الحديثة تلتصق بالواقع العربي التصاقا حميما.
ولنا أن نتساءل عن السبب الذي جعل المعداوي لا يشير إلى هذه المصادر التي وجهت التجربة الحداثية في الوطن العربي في متن كتابه خصوصا و نحن نعلم أن المؤلف توجه إلى نخبة مخصوصة ليس لها الباع الكبير في تقنيات الكتابة بله عن مهارة القراءة, إنها فئة تلاميذ البكالوريا أليس في إرجاء ينوع الإلهام الشعري إلى الهامش مقصدية واضحة في مخادعة القارئ، إذ لما تعذر السكوت عن المرجعية بشكل بات كان أولى أن تدرس في الهامش بدل المجاهرة بها في المتن.
وإذا تعرفنا الآن على أهم موارد الشعر الحديث وهي موارد غربية لم يعد غريبا و لا بدعا أن نسمع كلاما كالذي سلف من تسرب الشك و زعزعة اليقين بالوثوقيات و إسقاط الثوابت و المقدسات .
هذه العوامل و أخرى مجتمعة جعلت هذه التجربة الشعرية في غالب حالاتها تجربة هجينة يغلب عليها طابع الاستيراد والتصدير فأصبحنا إزاء بضاعة شعرية وليس إنتاجا شعريا ،و أمام تجارب مستعارة وليست تجارب ذاتية صادقة، أصبحنا أمام تكسير للبنية العربية القديمة و إحياء للنموذج الغربي بدل العربي.
فشعراء الحداثة وهم يدعون بأن الانفتاح على التجارب الغربية يضخ في شعرهم روحا جديدة تواكب مجريات الأحداث أوقعهم من حيث لا يعلمون في الولاء لتجربة شعرية غريبة عنهم في أصولها وفي وضعياتها وغريبة عنهم كذلك في دوافع بروزها والغاية من قولها أصلا .
فالشعر شعور والشعور لا يقتبس ، فيا ويح من اعترض على إتباع نموذج أقل ما يجمعه به التراث المشترك والمرجعية الموحدة والإحساس بخصوصية الذات ـ وعانق ـ وهو المغلوب المولع بالتقليد تجربة لا رابطة له بها غير استلاب ثقافي شعري مفضوح عار من كل ما يحتفظ للشاعر بكينونته وخصوصيته.
وفضلا عن التأثر بالفلسفة الاشتراكية والوجودية يقول الكاتب إن الشعر الحديث فقد انفتح على ثقافة شعبية متعمقة في القرآن الكريم والحديث النبوي فان صح الانفتاح على الأول فإن الثاني والثالث لم يتعامل معهما شعراء الحداثة إلا على سبيل الاستهزاء والاستخفاف وسيأتي الموطن الأنسب للتمثيل لذلك، ولعل أهم ما تصادفه من أشعار الحداثيين تجربة الضياع والتمزق النفسي والاضطراب الداخلي والقلق الوجودي ونحن نعلم معنى القلق الوجودي باعتباره نتيجة لتشرب فلسفات دخيلة على ثقافتنا ومرجعيتنا.
فضلا عن الذي سبق نجد غربة ذاتية ومكانية في أشعار أولئك متأثرين أو على الأصح مقلدين شعر توماس إليوت وخصوصا قصيدته "الأرض الخراب" و نجد أشعار أدو نيس مثل "الرأس و النهر" وعبد الوهاب لبياتي وصلاح عبد الصبور وعبد المعطي حجازي كلها ترشح بالتيه والاغتراب النفسي والتآكل الذاتي
و الذوبان الوجودي بسبب قيم المجتمع الغربي الزائفة على حد قوله .
ولما كانت الغربة في الوجود أصل "الغربات" الأخرى كان طبيعيا أن يتقرب الشاعر الحديث في المدينة وفي الحب و في الكلمة، لأنه تغرب في الكون ، يقول أدونيس:
مسامير تركت وجهي على زجاج قنديلي
خريطتي أرض بلا خالق و الرفض
وها هو صلاح عبد الصبور في كتابه "تجربتي الشعرية" يصف إحساسه "بوحدته وتفرده في الكون قد رفعت عنه العناية، فتولى أمرا نفسه بنفسه كأنه الريح المطلقة الخطى"، ص 8
فإذا كانت هذه قناعة الشاعر الحديث حيث نال الشك أو كاد من علاقته بخالقه و قد رفعت عنه العناية الإلهية ، فكيف له أن يتولى أمره بنفسه؟ أليس هذا أصل تعاسة الشاعر الحديث من هذا الكون؟ بل إن الذي يتجاسر على خالقه ويقول : إن "خريطته أرض بلا خالق" أحرى له أن يضل و يتيه في هذا الكون لأن الله خالق الكون قد أضله وأعمى بصيرته ، إنه عبث ما بعده عبث، وأما الغربة في المدينة والحب والكلمة فلا شك أنها مجتمعة تناسلت من أصل واحد هو الغربة في الكون .
إن الشاعر الحديث يركض في هذا الكون ركض البهائم في البرية لا تظفر منه بشيء .
تبرم من المدينة التي تحول فيها الإنسان مادة محنطة بالقيم المصطنعة الزائفة حسب قوله ، فأضحت بدون قلب وبدون روحه .
عجيب أن نصف المدينة بالتكلس و افتقادها للروح، و الشاعر نفسه قد افتقد قلبا يطفح بالإيمان و روحا صافية نقية مشدودة إلى بارئها. و المدينة عند هؤلاء (القاهرة عند عبدا لصبور) و(بغداد عند بدر شاكر السياب) و(بيروت عند أدونيس وخليل حاوي) أضحت قناعا سياسيا و اجتماعيا و ثقافيا تمثل وجه الحضارة بكل أبعادها .
ولما فشل فشلوا في التأقلم مع المدينة فإن عجزه على التفاهم مع أهلها أبين، لذلك فشل في الحب فإن و إن وجدنا هذا المفهوم "الحب" في جل أشعارهم قد تشوه تشويها ، فالحب باعتباره قيمة إنسانية نبيلة أو إن شئت فقل لحمة الأسرة و المجتمعات أو الرباط المقدس فيما بين الإنسان وخالقه، فيتقزم معناه مع هؤلاء الشرذمة من الشعراء فانحصر في المرأة الضجيعة كما في قصيدة "الجروح السود" لخليل حاوي :
وكيف أصبحنا عدوين
وجسم واحد يضمنا
نفاق....
أو كما في قصيدة "مدينة السراب" لبدر شاكر السياب من ديوان المعبد الغريق ص 37
عشر سنين سرتها إليك يا ضجيعة تنام
معي وراء سورها، تنام في سرير ذاتها
و ما انتهى السفار
و قوله :
وأنت يا ضجيعتي، مدينة نائية
مسدودة أبوابها، و خلفها وقفت في انتظار
إن الحب المتحدث عنه هنا لا يتجاوز الوقوع في علاقة مع جسد امرأة ،
أما النماذج الشعرية لغربة الشاعر في الكلمة، فقول أدونيس في السماء الثامنة
لغتي تنوء كأن فوق حروفها حجرا و طين
فبأي جائحة أطوف بأي موج أستعين ؟
فبدلا من أن تكون كلمته سيفا صارما تحولت إلى حجر!
أما صلاح عبد الصبور في قصيدته " مذكرات الصوفي بشر الحافي"، فقد تمنى الموت وحبذ الصمت يقول :
إذا ما ركبت كلا ما فوق كلام
من بينهما استولدت كلام
لرأيت الدنيا مولودا بشعا
وتمنيت الموت
أرجوك
الصمت..
الصمت..
لما عجز الشاعر عن الجهاد بالكلمة التزم الصمت فكان الانهزام الفظيع ، فعانى مرتين بالكلمة المهزومة و بالركون إلى الصمت.
إن عذاب الشاعر الحديث تضاعف لغياب الكلمة وباستعصائها وتأبيها. يقول صلاح عبد الصبور في قصيدته "أغنية الشتاء" من ديوانه أحلام الفارس القديم:
أن هذا الشعر حين هزني أسقطني
وحينما ناديته، لم يستجب
عرفت أنني ضيعت من أضعت . ويقول كذلك في قصيدته : رسالة إلى سيدة طيبة :
صارت أنغام الشاعر خرساء
فإذا نطقت كانت سوداوية
ويقول الشاعر نفسه في قصيدة: مذكرات الصوفي بشر الحافي:
اللفظ حجر
اللفظ منية
إن هذا الفشل الذريع الذي أبان عنه الشاعر الحديث سواء في معانقة الصمت أو في تأبي الكلمات عنه أو في تحولها إلى حجر جعله يتخلف عن زمرة الشعراء الذين جاهدوا بحق بكلماتها النارية التي تحول الذين قيلت في حقهم إلى رماد ، فارجع إن شئت إلى مطولة أحمد مطر التي رثى فيها ناجي العلي و التي قال في مطلعها :
شكرا على التأبين والإطراء يا معشر الخطباء والشعراء
وإلى لافتاته الكثيرة التي تزعزع الوطن العربي من المحيط إلى المحيط ،تدرك أن سبب الضياع عند الشعراء الحداثيين- الضياع الناتج عن الغربة بكل ضروبها ، هو تأثرهم بالأدب الوجودي كما عند سارتر و ألبير كامو وغيرهم ممن تغنى بالسأم الوجودي والاغتراب .
وفي تقديري أن تجربة الغربة والضياع تجربة فاشلة وسلبية لأنها تجربة مستوحاة من العالم الغربي، تجربة تقوم على أساس النسخ والنقل ومحاولة استنبات في صخرة أعرضت كل الإعراض على أن تسمح لبذور هذه التجربة أن تشق مفاصلها لتثبت سنابلها .
لقد أبانت تجربة الشعراء الحداثيين عن غربة في الحياة تمثلت في العجز عن نيل شرف الاستشهاد (كما جاء في قول المعداوي ص 86)، الذي استطاع الشاعر الإسباني الحصول عليه.
ولنا هنا أن نشير إلى اختلاف المرجعيات لبعض المفاهيم كالاستشهاد مثلا، وعلى كل إن سلمنا بأن الذي حصل عليه لوركا استشهادا فما الذي حال بينه وبين الشاعر الحديث ؟
و لنا أن نمثل بمقطع من قصيدة "الدارة السوداء" ليوسف الخال :
أتراني أهجر الدار وأمضي
يدفن الأموات موتاهم و أمضي؟
أين أمضي ؟
أ إلى المأتم في الغابة و الميت اله
أ إلى العرس،
ومآ في العرس خمر و مسيح
آه لا أدري، ولكني أصلي
في هذا المقطع نصادف بعض مبررات الضياع من بينها نذكر : موت الإله/ موت المسيح/ غياب الخمرة المباركة .
و الملاحظ أن يوسف الخال المسيحي معتز بمسيحيته بل إنه يفتخر بها و سنمثل لذلك.
ومن مظاهر العبث في هذا النص إعلانه موت الإله و في الأخير يقول: آه لا أدري ولكني أصلي،
فصلا ته غير صلاتنا ونحن عندما نصلي نقر حقيقة بالبقاء لله سبحانه باعتباره الأول والآخر ، أما الخال فقد قضى بموت إلهه ومع ذلك يقول لا أدري و لكني أصلي ، فهل معنى ذلك أن ضياع الشاعر وغربته جعلاه في الأخير يسلم بجدوى الحل الميتافيزيقي؟ أم أنها عبث المغلوب المقهور الذي صدت في وجهه الأبواب ، فراح يضرب الأخماس في أسداس ، ولغياب رؤية حقيقية وفهم دقيق لعلاقة عبد مع ربه ولفائدة الصلاة عموما . ولأشك أن أحمد المجاطي لم يفته عبث العابثين من الشعراء المحدثين فمثل للتيار العبثي الذي لا يقوم على أساس من القناعة الوجدانية مركزا على صلاح عبد الصبور في قصيدته "الظل والصليب" حيث يمارس إنسان هذا العصر السأم على كافة مستوياته .
إنسان هذا العصر سيد الحياة
لأنه يعيشها سأم...
يزني بها سأم...
موتها سأم...
إلا أن هذا لا يعدو أن يكون ذرا للرماد في العيون، وتبقى هذه الوقفة جد خجولة لكثرة العبثيين في الشعر الحديث و الذين لم يشر إليهم قط.
الفصل الثالث: تجربة الحياة و الموت
لقد بدأت تتولد في أعماق الشاعر العربي معاني الولادة والتجدد والبعث يسندها من قبل الواقع إيقاع جديد هو إيقاع الأمل الذي يحمل الشاعر مشعله وقد استشهد الكاتب بآراء نقاد وشعراء مثل: مطاع صفدي و بدر شاكر السياب.
تبين أن الشاعر كائن متحمل لمسؤولية الحياة وأن الموت يطارد من فقد القدرة على المقاومة وأن الشاعر ليس كذلك ، بل إنه مقتنع بأن قدره هو الحياة ، وانه عندما لا يجد مفرا من الموت فإن موته لا يكون أبديا ، بل إنه معبر إلى الحياة ، ووسيلة إلى التطهر والاغتسال من أدران الحياة الماضية وحافز إلى الثورة على رواسبها في الحياة الجديدة، وهو الذي يجعل الشاعر يعيش التحول بصورة دائمة ، ويعيش جدلا دائما بين الموت والحياة. جدلية تخلق الشاعر الثوري ، وهي ثورة غير مرتبطة لنمط معين بقدر ما هي مرتبطة بروح الثورة في كل زمان ومكان أي الثورة التي تحل في الحياة فتنتصر على الموت.
والملاحظ أن الشاعر الحديث قد أسهب في اعتبار الموت لغزا وأطال الكلام عن جدلية الموت والحياة ، الشيء الذي جعله يلجأ إلى الثقافات الإنسانية لينتقي منها رموزا وأساطير تساعده على إقناعنا وجدالنا والحال أن الموت والبعث في ثقافتنا ليستا إشكالا البتة بل إنهما من صميم قناعاتنا الإيمانية ...
1- المقارنة بين تجربة الموت والحياة في الشعر الحديث ومفهوم الغربة لدى الرومانسيين. يقارن الكاتب بين تجربة الموت والحياة في الشعر الحديث ومفهوم الغربة لدى الرومانسيين فيستنتج أن الأولى مشدودة إلى المستقبل بينما الثانية مشدودة إلى الماضي ، وبين أن التجربة الوحيدة التي سبقت شعر الحداثة في هذا الباب هي محاولة المهجرين في شعر " تناسخ الأرواح" أي الولادة بعد الموت.
إن الشاعر المهجري يؤثر الحياة السهلة على معاناة الموت التي أدت إلى فقدان تجربته لصلتها بالواقع الحضاري للأمة في حين أن يرتبط الموت بالبعث لدى الشاعر الحديث لموت الذات والحضارة معا فالشاعر في نظر الحداثيين أشبه ما يكون بالبطل أو النبي. إنه الإنسان العارف بأسرار الكلمة والقادر على تكوين اليقظة والبعث والتجدد في القلوب.
إن مهمة الشاعر الحديث هي إيجاد الحياة من العدم. وهو تصور لا يقبله العقل ولا يقره المنطق، لذلك التجأ إلى الثقافات الإنسانية مستفيدا من تعابيرها المتمثلة في الأساطير الوثنية، البابلية، اليونانية، الفينيقية، العربية والمعتقدات المسيحية وناذرا ما يرجع إلى التراث الإسلامي..
إن لكل شاعر أسلوبه المعتمد في الاستفادة من المنهج الأسطوري. وهو ما سنوضح من خلال بعض الشعراء الحداثيين.
نماذج الحياة والموت في أشعار الحداثيين:2
أ-أدونيس: التحول عبر الحياة والموت
.
تلتقي في تجربة أدونيس ذات الشاعر بذات الأمة العربية، فموتها موته وبعثها بعثه، غير أن الشاعر مقتنع بفحولة التاريخ العربي وطموح حضارته قبل الاستعمار، وهو يحس أنه جزء من هذا الواقع الميت. لكنه يحس بأن شيئا ما يميزه. فموته مثل نوم موجة في شاطئ البحر. يقول في قصيدته " مرايا للممثل المستور"
البطل الساهر مثل موجة
ينام
وأرضنا صبية
كانت بلا رأس ولا وسادة تنام
والفكرة الفراسة الحمراء
كانت جثة تنام
اعتمادا على ذلك يرصد الكاتب أهم اتجاهات معاني الحياة والموت في شعر أدونيس حيث يخلص إلى وجود اتجاهين:
- اتجاه الجرد والتساؤل عن وسيلة البعث، واتجاه اكتشاف مفهوم التحول بصفته وسيلة الدفع العربي نحو البعث والتجدد، لذلك يميز الكاتب بين نمطين عن التحول في شعر أدونيس.
1- النموذج الموفق: مثل له بقصيدة( تيمور و مهيار) حيث مهيار رمز البعث وتيمور رمز الاستعباد والقهر والموت، وصراعهما يفضي دوما إلى عودة مهيار إلى الحياة رغم سجنه وقتله وحرقه، إذ من رماده ينبعث حيا جديدا ويرجع نجاح هذا النموذج في نظر الكاتب إلى أمرين::
أولا: لكونه استوحى أسطورة الفينيق الذي أحرق نفسه لينبعث من رماده، واستلهم أسطورة العنقاء التي تموت ويلتهب رمادها وتحيا به.
ثانيا: المضمون الرمزي للقصيدة، فمهيار يرمز إلى الإرادة التي لا يقهرها سلطان.
والحق- في تقديري- أن قصيدة كهذه تستوحي مضامينها وصورها من أسطورة قديمة قد تخفي جانبا كبيرا عن قدرة الشاعر الإبداعية لأن الأسطورة تمثل كثافة تختفي وراءها قدرات الشاعر وتقف مائلا دون بلوغ المعنى من لدن القارئ، ولعل التوظيف المكثف للرموز والأساطير هو اللبنة الأولى في بروز ظاهرة الإبهام والغموض في شعر الحداثيين.
2- النموذج غير الموفق: مثل له بقصيدة "الأسماء" حيث يحدث تحول فجائي يصبح القارئ إزاءه غير مستعد لتقبل الأفكار التي تنقلها القصيدة يقول أدونيس فيها:
سأسمي التحول ربان أيامك الجديده
يا بلاد الخليفة والتابعين.
وأسمي اللهيب
مطرا
وأسمي
وجهك المغلق الدفين.
كوكبا، والقصيدة
هالة الفارس الغريب
حول أيامك الجديده.
يقول المعداوي في ص127 " ففي البيتين الأولين من القصيدة يقرر الشاعر أن مفهوم التحول ستكون وسيلة لتغيير واقع الأمة العربية أما في سائر أبيات القصيدة فهي تفسير للطريقة التي اختارها الشاعر لتحقيق هدفه ينقل الواقع الحضاري للأمة العربية من عصر الخليفة والتابعين إلى القرن العشرين لأنها لا تغير من حضارة ما أسماه "عصر الخليفة والتابعين" شيئا سوى الأسماء
وأحب أن أشير إلى مسألة وإن كانت شكلية لكن لا ينبغي لي إغفالها وهي قول المعداوي في النص السالف) ( ففي البيتين ثم يمضي فيكرر أما سائر أبيات القصيدة) فلست أدري وهو واحد من دعاة تكسير البنية أنسي أم أنه لم يستطع التخلص من مسميات النموذج ؟ ألم يستبدلوا البيت بالسطر؟ أم هو الكيل بمكيالين؟...
والخلاصة هي أن مفهوم التحول لدى أدونيس استفاد من المنهج الأسطوري، بل انه استفاد منه حتى في الاستعاضة عن علي أحمد سعيد
بالرمز الأسطوري أدونيس لكنه سيفلت منه ليقيم عالما شعريا أقل ارتباطا لحركة التاريخ العربي لأنه يقيم حوارا مع زمن لم يأت بعد...
خليل حاوي: معاناة الحياة والموت
لقد أقام الشاعر كلمة المعاناة بدل التحول بما تعينه من تفسخ الأشياء والقيم والذات والواقع الحضاري حيث تبدو ملامح الذات الجديدة والحضارة الجديدة،غير أن إحساسه برخاوة الواقع وعمقه سيظل حاجزا يعوق عملية التطهر التي تبشر بالولادة الجديدة، وهذا ما جعل المعاناة تهيمن عل ديوان نهر الرماد بأكمله.
* ديوان نهر الرماد.
يحلل الكاتب قصائد هذا الديوان معتبرا أن بعضها بشرح البعض الآخر ويبرز من خلالها الصراع الحاد بين مسؤولية الفداء والهروب إلى وجه المدينة حيث الخمر والجنس.
والعيب لدى هذا الشاعر – في نظري- أنه لا ثالث للأمرين عنده إما التطلع إلى حمل الصليب (الفداء) أو الدهاليز اللعينة و مواخير المدينة (الجنس والخمر).
والملاحظ أنه استعار الصليب رمزا للفداء وهو ما يعتبر في نظرنا أمرا مكذوبا يرجع الشاعر بنا من خلاله إلى ثقافة مسيحية صرف.
* ديوان الناي والريح.
ففي (قصيدة بعد الجليد) يلتجئ الشاعر إلى المنهج الأسطوري فيوظف "تموز" وما ترمز إليه من غلبة الحياة والخصب ضارعا غلى الموت والجفاف.
إن الشاعر يلجأ تموز إله الخصب ضارعا مستعطفا ص136
يا إله الخصب يا بعلا يفض
التربة العاقر
يا شمس الحصيد
****
نجنا نج عروق الأرض
من عقم دهاها ودهانا
أدفئ الموتى الحزانى
والجلاميد العبيد
إن هذا التوظيف إن أسعد الشاعر فإنه أتعس القارئ، فلماذا اللجوء إلى الإله الأسطوري للخصب بدل اللجوء إلى مصدر الخصوبة الحقيقي الله سبحانه- ففي توظيف هذا الرمز يتيه القارئ ويضيع ويتصادم مع تأويلات تجعله يحس الرفض.
استمع إليه يقول ص 137:
إن يكن رباه
لا يحيي عروق الميتينا.
غير نار تلد العتقاء نار
تتغذى من رماد الموت فينا
في القرار
فلنعان من جحيم النار
ما يمنحنا البعث اليقينا.
أما تنفض عنها عفن التاريخ
واللعنة والغيب الحزينا
تنفض الأمس الذي هجر
عينيها يوافينا بلا ضوء ونار
وفضلا عما أشرنا إليه أن ما يخلق الاستياء والرفض لدى القارئ هو تجاسر الشاعر على أمور تعتبرها مقدسات من مثل قوله( البعث الحرينا) وتضرعه قائلا (يا إله الخصب ...نجنا) وفي هذا تصريح بأن هناك من ينجي غير الله سبحانه هذا بخصوص المقدسات..
أما بخصوص ما يأتي في الدرجة الثانية بعد المقدسات فهو التراث العربي الإسلامي الذي بدونه نمسخ ونفتقد الهوية والخصوصية، هذا الماضي التليد سماه الشاعر "عفن التاريخ " و( الآسن الذي حجر عينيها)
( أي الأمم) كل هذا ولا غرابة فإن دعاة الحداثة يعتبرون أول مراتبها قطع الصلة مع الماضي أو على الأصح اجتثاث الجذور...
إن هذا الشاعر يرى في التراث العربي معرقلا دون بلوغ الباب، يقول:ص 143
إني أرى الطريق
بيني وبين الباب أقلام ومحبرة
هم العبور***
وخطوة أو خطوتان
إلى يقين الباب، ثم إلى الطريق.
وتنتهي بنغمة حزينة تنسجم مع مدلول الناي الذي يرمز ببحته الحزينة إلى الماضي، وما يزخر من ذكريات أليمة.
بيني وبين الباب صحراء
من الورق العتيق
واد من الورق العتيق
والملاحظ أن الشاعر يرمز إلى الماضي الذي يعادل الموت في نظره- بالمحبرة والورق العتيق الذي يشير إلى رواسب عصر الجليد.
وهاهي رغبة الشاعر الجامحة في فك كل الارتباطات التي ترجع إلى الماضي فيقول ص 144
ربي متى انشق عن أمي ، أبي.
كتبي وصومعتي وعن تلك التي
تحيا، تموت على انتظار.
فالكتب ترمز إلى التراث الفكري والصومعة ترمز إلى الجانب العقدي التعبدي ، ورغبة الشاعر تكمن في التخلص من كل هذه الارتباطات، فتلك هي حداثة الشاعر وهذه شعاراتها.
وهكذا ففي ديوان ( الناي والريح) تتجدد مسؤولية الشاعر في القدرة على التخلص من ذاته ومواكبة البعث العظيم، غير أن محتوى النصوص يبرز أن هناك عاملين تتولد عنهما نغمة يائسة أكدت عجز الشاعر عن مواكبة البعث العظيم لشعر مماثل ، أحد هذين العاملين خارجي وهو التقاليد الاجتماعية وثانيهما داخلي هو الرواسب المتبقية من عصر الجليد.
وإن التحولات التي تكشف رؤيا الشاعر تتجه نحو السكون والموت لا التجدد والبعث، ويرفضه لذلك يعقد الأمل على تجدد الأجيال القادمة، يقول ص 146
أسندي الأنقاض بالأنقاض
شديها على صدري اطمئني
سوف تخضر
غدا تخضر في أعضاء طفل
عمره منك و مني
إضافة إلى هذا يرغب في التخلص من المتعة العتيقة والمفاهيم الرثة – في اعتقاده- يقول ص 147 راغبا في إفراغ بيته أي أن يتخلص من الماضي وبقاياه.
أود لو أفرغت داري، عله
إن مر تغويه، وتدعيه (الضمير يعود على الشعر)
* ديوان بيادر الجوع
يشمل هذا الديوان ثلاث قصائد تتجه بإيقاعها المعتم في اتجاه معاكس لإيقاع نهر الرماد الذي بدأ باليأس و انتهى وانتهى إلى الأمل، بينما هي تبتدئ بالأمل وتنتهي إلى الحية. فالمنظومة المنطقية للقصيدة تسير وفق التصور الآتي:
- التطهر شرط البعث
-الذات العربية لن تتطهر
- البعث لن يتحقق
والخلاصة أن انتقال الشاعر بين الأمل واليأس يعود في نظر الكاتب إلى تموجات الواقع العربي الذي انفعل الشاعر به ومعه.
3- بدر شاكر السياب : طبيعة الفداء في الموت.
يأخذ الموت في شعر السياب طبيعة الفداء، ويملك كل القدرات على بعث الحياة والانتصار لها. فقد ظل يعتقد بان الخلاصة لا يكون إلا بالموت لأنه شرط البعث، ولتأكيد ذلك يوظف الشاعر أسطورة المسيح حيث يرتبط بين بعثه وبعث الأمة العربية التي يرمز إليها بعربية جيكور، حيث يقر أن قبول المسيح للموت لم يكن إلا فداء للفقراء والجائعين، لأن حياته بعد الصلب ستكون أخصب، ويقابل الشاعر بين هذا الموت المنتج وموت أعداء المسيح وأعداء الأمة الذين يرمز لهم بالخائن يهودا.
ولنا أن نقول من حق الشاعر أن يختار رموزه وأساطيرهن إلا أنه ليس من حقه أن يغالطنا فيما هو حقيقة مطلقة وقناعة ثابثة وهي أن المسيح لم يصلب ( وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم) الآية .. وهنا لنا أن نتساءل متى تنتهي حرية المبدع؟...
-عبد الوهاب البياتي وجدلية الأمل واليأس4-
يرى المجاطي أن شعر البياتي ينقسم إلى مرحلتين:
- مرحلة ما قبل ديوانه المعنون ( الذي يأتي ولا يأتي ) والمرحلة التي تلته.
ففي المرحلة الأولى يقدم شعره حقيقتين متناقضتين.
- الحقيقة الأولى هي قدرته على كشف طبيعة الانهيار والسقوط الذي انتهى إليه الواقع العربي مما جعل المضمون العاطفي لقصائده ذا نغمة يائسة وحس مأساوي.
- الحقيقة الثانية : سيطرة نزعة متفائلة على مضمون شعره.
غير أن هذه المفارقة تعتمد عن وجهة نظر الشاعر المنطق الجدلي الذي يؤمن بإمكان تعايش الأضداد وليس المنطق الصوري.
والخلاصة التي ينتهي إليها الكاتب هي أن شعر البياتي يسير في ثلاث منحنيات.
- المنحى الأول: الانتصار الساحق للحياة على الموت.
- المنحى الثاني: التكافؤ بينهما.
- المنحى الثالث: انتصار الموت على الحياة.
إن البياتي باعتباره شاعرا ثوريا فإن شعره لا يقوم على الأمل فقط بل على الشك والقلق والانتصار.
* منحى الأمل : وهو إيجابي ذلك أن موت المناضل يصبح انتصارا على الموت لأنه يقود إلى الحياة الحقة.
* منحى الانتظار: يتميز بتعليق الانبعاث الذي تقدمه أربع صور هي:
- نمط الحياة: يتمثل في القصائد التي يوظف فيها الشاعر رمز عمر الخيام المحكوم عليه بالحياة.
- نمط الموت: ويرتكز على إقناعنا بأن الموت قنطرة عبور للحياة الحق.
- نمط الرجاء والتمني: الانتقال من ساحة النضال إلى ساحة الحلم حيث ينضج هذا الأخير في إقامة هو من التوقع والانتظار.
* منحى الشكل: يقوم على كشف ما في الحياة من زيف وتحديدا النضال العربي لأنه لا موت بدون نضال كما انه لا بعث بدون موت
فإذا حصل بعث دون نضال ودون موت فهو بعث مزيف أو هو الموت في الحياة كما يسميه الشاعر.
عموما فأهم ما يميزه هذا الفصل في نظر الكاتب هو:
إن التقاء هؤلاء الشعراء عند معاني الموت والحياة يرجع إلى إحساسهم بواقع ما بعد النكبة.
إن مفهومهم للإبداع الشعري شامل تلتقي فيه الذات مع الجماعة ويتداخل فيه موقف الشاعر من الماضي لموقفه من المستقبل.
إدراك الشاعر الحديث للتحدي الذي يهدد حاضره ومستقبله ووجوده القومي.
الموقف الموحد للشاعر تمليه الرغبة في الحياة والتجدد والانتصار على الموت.
انتقاد التصورات التي اعتبر أصاحبها أن هذا الشعر كان سببا من أسباب النكبة
ومن خلاصات هذا الفصل كذلك نذكر
- إن علاقة الشعر بالجماهير لم تكن علاقة تواصل بحكم ثلاثة عوامل:
- العامل الديني القومي ( التوجس من أن يكون هذا الشعر تشويها للتراث ..)
- العامل الثقافي ( الاقتناع بأن جمالية الشعر القديم تشكل الإبداع المطلق)
- العامل السياسي المتمثل في جوف الحكام عن المضامين الثورية لهذا الشعر وأهم العوامل في نظر الكاتب هو العامل المتعلق بتقنية هذا الشعر، أي وسائله الفنية المستحدثة التي عبرها الشعراء عن تجاربهم.
الفصل الرابع : الشكل الجديد
خصائص المكونات العامة للشكل الجديد
يهدف هذا الفصل إلى معرفة الوسائل الفنية التي تمد القصيدة الحديثة بما يقيم جمالها لأن جدة التجربة وقيمتها تتوقفان على جدة وسائل التعبير نفسها ، غير أن الكاتب يرى أن هذا الموقف ينبغي أن يؤخذ في صيغته النسبية ، فهو صحيح لأنه يجعل لكل لحظة شعورية طبيعتها الخاصة ، لكنه غير صحيح عندما يفرض القول بالانتقال من عهد الشكل الأول إلى عهد يصبح فيه لكل قصيدة شكلها الخاص لأن من شأن ذلك أن يقود إلى نتيجتين خطيرتين :
النتيجة الأولى: الحد من حرية الشاعر
النتيجة الثانية: تعدد الأشكال يمكن أن يؤول إلى استحالة الوقوف على الهدف المتوخى من الحركة ككل .
فضلا عمن ذكر يمكن أن يترتب عن هذا الاختيار ما أسماه الكاتب تزكية تهمة تود التي توجه الشعر .
عموما فثمة تقارب في أسلوب الشعراء الذين اكتملت ملامح شخصيتهم الفنية ، يتجلى ذلك في: الأسلوب ، طريقة التعبير ، الصور البيانية والرموز والأساطير ، بناء القصيدة العام ، ويرجع ذلك إلى وحدة التجربة آلتي فرضت وحدة الوسائل المستخدمة في التعبير عنها .
نستنتج مما سبق أن :
الشكل في الشعر الحديث ناقص ، ولم يبلغ ذروة نموه
النمو لا يمكن أن يتم في الزمن المحدود لكتابة ديوان كمل أو قصيدة طويلة
تطور اللغة الشعرية .
ابتدأ الكاتب بخلاصات عامة منها :
لم تتطور اللغة الشعرية أفي تجاه واحد بل في اتجاهات متعددة
نمو لغة كل شاعر بمفرده
ارتباط هذا النمو بالروابط الوراثية التي تربط شعراء كل إقليم ، أو الروابط الثقافية الأجنبية
التشابه الواضح بين تجارب الشعراء ينتهي بالدارس إلى وجود خصائص متعددة
انتقاد الدكتور النويهي الذي اعتبر أن لغة الشعر الجديد هي أقرب إلى لغة الحياة اليومية ، وأنه يخرج عن عدد من القواعد العروضية القديمة ، وهذا في مجمله تأثر برأي إليوت، ولأن النويهي اعتمد فقط على ديوان واحد هو للشاعر صلاح عبد الصبور.
النفس التقليدي في لغة الشعر الحديث
إن لغة الشعر الحديث تتوزع بين منحيين أحدهما يستمد مقوماته من روح اللغة القديمة ، وثانيهما يستعمل لغة الكلام الحية. المنحى الأول يمثل له بقصيدة بدر شاكر السياب " مدينة بلا مطر". أما المنحى الثاني فهو أمل دنقل الذي يميل ميلا إلى اللغة اليومية. غير أن ملمحا ثالثا يبرز هو: البعد عن لغة الحديث اليومية يمنحها دلالات و إيحاءات جديدة.
بناءا على ذلك يقدم الكاتب تصوره لصفات لغة الشعر وهي :
لغة الشعر مثالية عن حتى لدى أكثر الشعراء ارتباطا بالواقع
لغة الشعر تستأنس بقدر من الغموض بل ـ في رائي ـ إنها لغة مغرقة في الغموض
لغة تتأبى على المنطق و تنفر منه ( وهذا داع إلى الغموض)
لغة تقوم على الارتباط غير المتوقع
لقد استنتج الكاتب أن هناك شعرا لم يكتف بالابتعاد عن اللغة اليومية فقط بل ذهب إلى إقامة ارتباط غير متوقع بين الكلمات التي يبني بها عباراته حيث تصبح الكلمة في القصيدة هي غيرها في المعجم اليومي المعتاد ، فتتغير دلالاتها وإيقاعها وترتيبها.
السياق الدرامي للغة الشعر الحديث
ما يميز السياق اللغوي للشعر الحديث هو صدوره عن صوت داخلي منبثق من أعماق الذات و متجه إليها بخلاف السياق اللغوي في الشعر القديم الذي ينبثق من الذات إلى الخارج.
إن الشاعر الحديث لا يطمح إلى هدم الجدار القائم بينه وبين المتلقي ، لأنه يعلم أن تعاطف المتلقي معه لن يجدي نفعا.
التعبير بالصورة في الشعر الحديث
لم يعد الشاعر الحديث يرتبط بالتراث البياني القديم ، بل دأب على توسيع أفق الصورة نفسها لتتسع لأكبر قدر من الاحتمالات المتعلقة بأعماق التجربة. إنه يطمح إلى الابتعاد عن اللغة الشعرية الجافة للإسهام في إقامة بناء القصيدة العام عن طريق الخيال.
تطورالأسس الموسيقية للشعر الحديث
إن كل تطور في المضمون يقتضي تطورا في الشكل ، علما بأن الشاعر الحديث لم يكن يفكر في بداية تأسيس القصيدة في نسف أصول الموسيقى التي أصبحت قدرا مسلطا أو قيودا من ذهب.
إننا ندرك أن كلام الكاتب ليس علميا لأننا قد استمعنا إلى رواد الحداثة كأدونيس ويوسف الخال وأنسي الحاج وهم يرفعون شعارات تفضي إلى نسف القاموس و قطع الصلة مع الماضي و اعتبار التراث من مخلفات عصر الجليد ، إنه التخطيط المحكم لنسف كل ما هو قديم وأصيل ، أما احتفاظهم ببعض ما جاء به الخليل فإنما يرجع إلى عدم قدرتهم على إيجاد بدائل ليس إلا .
كل هذا أدى إلى ظهور تباينات في كيفية التعامل مع موضوع حيث برزت تيارات مختلفة أهمها :
المنادات بالانتقال من عهد عروض الشعر إلى عهد عروض القصيدة بحيث يسمح لكل قصيدة عروضها الخاص.
إن هذا الرأي يجعلنا نقول إنه ليس هناك شعرا حديثا بقدر ما هناك قصيدة حديثة لعدم وجود الجامع الذي نطمئن إليه بين هذه القصائد ، فكل شاعر يسبح في واد، أي غياب لحمة جامعة يستند إليها الناقد غير هذه مفاهيم المائعة التي لا تخضع لعقل ولا لمنطق(الرؤيا ، الحداثة ، أو الغموض ، الأساطير ...).
على الشعر الحديث أن ينشئ أساسا موسيقيا جديدا
إن الشعر الحديث ليس ظاهرة عروضية لأن علاقة الشاعر بالعروض علاقة تحددها عاطفته وإحساسه وفكره وخياله وهذا هو رأي الكاتب.
الأسس الموسيقية للشعر الجديد:
تفتيت الوحدة الموسيقية المتمثلة في البيت الشعري ذي الشطرين المتساويين.وهذا ما أحدث فوضى في الاصطلاح بين قائل له سطر أو شطر أو بيت.
هذه الوحدة الموسيقية ليست وحدة ذات طول ثابت بل طولها متعلق بما يتضمنه من نسق شعوري وفكري .
ان الذي يتحكم في حركة الأبنية الموسيقية هو حركة المشاعر و الأفكار بعكس الشعر القديم الذي كان يقيدها.
تعامل الشعر الحديث مع ستة بحور ذات تفاعيل غير مركبة وهي بحر الهزج (مفاعيلن) ، والرمل (فاعلاتن) والرجز(مستفعلن) والكامل (متفاعلن) والمتقارب (فعولن) و المتدارك( فاعلن).
- توفر نظام المرونة للتفعيلة
- انتقاد تصور إحسان عباس الذي رأى في اعتماد الشعر الحديث البحور الصافية دليل على عدم تطويعه للعروض
- انصراف بعض الشعراء كالسياب إلى الأبحر المركبة
- تكسير بعض الشعراء وحدة الشطر ووحدة البيت ذي التفعيلتين بصورة جعلهما تفعيلة واحدة كما فعل أدونيس
يخلص الكاتب إلى أن الطاقات الموسيقية للأبحر المركبة لم تستغل على النحو الذي قام به أدونيس ويرجع عدم الاستغلال إلى ما يلي:
السبب الأول: مسألة الزحاف
استفاد الشاعر الحديث من الزحاف وذلك بتكسير التفعيلة وجعلها تكتسب مزيدا من التنوع والتلوين بشكل يجعل المتلقي يعتقد أنه يتعامل مع إيقاعين مختلفين ، وهكذا استخدم إيقاعين دون اللجوء إلى البحور ذات التفاعيل المركبة
السبب الثاني : تنويع الأضرب
في القصيدة القديمة إذ استعمل الشاعر أحد الأضرب المتفرعة على تفعيلة أصلية التزمه في أبيات القصيدة جميعها و إلا عد ذلك عيبا من عيوب القافية ،غير أن الشاعر الحديث لم يقم وزنا لهذا القيد نفورا أم عجزا، فاستأنس بما يوفره لأبياته من تنويع في الإيقاع ، فاستخدم تفاعيل لم يقل بها العروضيون في بعض البحور مثل (مستفعلان) في الرجز وأحيانا إدماج بحرين متشابهين كالرجز والسريع في بحر واحد.
السبب الثالث: فاعل في حشو البيت
إن الشاعر الحديث خرج عن سائر القوانين المرسومة لتفعيلة واحدة ، ويقدم مثالا على ذلك تفعيلة فاعل الموظفة من طرف نازك الملائكة في بحر الخبب الذي يعتمد تفعيلة فاعلن.
مسألة التدوير:
الذي يتحكم في عدد التفعيلات هو الدفقة الشعورية ، و التي يمكن أن تتجاوز في اندفاعها حدود السطر الشعري مما أدى بالشاعر الحديث إلى استعمال تفعيلة خماسية أو تسع تفاعيل دون الوقوع في التدوير.
ويقدم الكاتب اختلاف النقاد في الموضوع كما يلي :
كل سطر يتوفر على ما يقارب تسع تفعيلات هو بيت دون أن ننظر الى إمكانية شطره إلى صدر وعجز.
إذا زاد عدد التفعيلات على ذلك وجدنا أنفسنا أمام جملة موسيقية
الجملة الموسيقية تحمل خصائص نظام البيت الشعري ، لأنها تعتبر وحدة في نظام موسيقي عام هوالقصيدة بأكملها
نظام القافية في الشعر الحديث
خضعت القافية في الشعر الحديث إلى مجموعة من المتغيرات أبرزها:
تفتيت نظام البيت وإخضاع طوله أو قصره لحركة المشاعر والأفكار ،مما جعل الشاعر يميل إلى التفاعل مع القافية بصفتها نظاما إيقاعيا يتكون من عدة أحرف مع الحد من بروز حرف الروي مما أتاح للشاعر الربط بين إيقاع البيت وإيقاع القافية بشكل عفوي.
احتياج القافية إلى المشاعر وإلى الثروة اللغوية لخلق إيقاع مرن للقافية يجعلها حية في البناء الموسيقي العام.
تنويع الأضرب في أبيات القصيدة
إن نظام القافية في نظر الكاتب جزء من البناء الموسيقي العام للقصيدة، وأن أهم صفاته هي المرونة التي استمدها من إخضاعها لحركة المشاعر والأفكار والبعد عن الهندسة الحادة .
والحمد لله أولا وأخيرا .
صاحب الكتاب:أحمد المعداوي شاعر وناقد ينطلق في دراسته من رؤية شاعر مارس الشعر، وجامعي له خبرة في تدريس الآداب وإلمامه بعلم العروض، وهذه العوامل كلها أهلت المعداوي ليكون أحد الشعراء النقاد الذين دعوا للحداثة ونادوا بها بنيس وأدونيس...
القسم الأول:
الفصل الأول: التطور التدريجي في الشعر الحديث
الشعر العربي القديم
إن التطور في الشعر العربي يخضع حسب الكاتب إلى أمرين: الحرية والاحتكاك بالثقافة الأجنبية، ولم يتحقق هذا التطور في الشعر القديم وتحديدا في العصر العباسي إلا مع أبي نواس والمتنبي وأبي العلاء، إضافة إلى كون هذا التطور قد حصل فنيا في شعر الموشحات.
إن دعوة المجاطي إلى الاحتكاك بالثقافة العربية مع شعراء الحداثة تجاوزت الاحتكاك إلى حد الاستلاب الشعري، حيث لم تعد ملامح الشاعر الحداثي تظهر، بل إننا أصبحنا بإزاء شعر غريب لا هو بالغربي ولا هو بالعربي بل إنه شعر هجين أضاع من خلاله الشاعر الحداثي العربي كل خصوصياته. وعموما خلص المجاطي إلى أن الشعر العربي القديم لم يحقق تطورا ملحوظا لانعدام الحرية الإبداعية وقلة الاحتكاك بالآداب الأجنبية.
فأما بخصوص الحرية الإبداعية فنقول إن الشاعر القديم لم يكن ينظر إلى قوالب القصيدة و أوزانها و قوافيها مقيدا لحريته الإبداعية لأنه كان ينظم الشعر عن طبع و سليقة في مجتمع شاعري كله, وما المعارضة في الشعر إلا دليل قوي على قدرة الشاعر العربي على نظم الشعر من غير تكلف وتحت مجموعة من الشروط المسبقة . ومع ذلك لا مجال للحديث عن تقييد الحرية الإبداعية، و أما الاحتكاك بالثقافة الأجنبية فلا بد وأن يكون مشروطا بالقدرة على تمييز الصالح من الطالح مع صحافة قوية تجعل المنفتح على الثقافة الأجنبية يعتمد الانتقاء منهجا للتعامل مع الثقافة الأجنبية و إلا فإن النتائج لن تكون محمودة , و الدليل قائم في الشعر الحداثي العربي بشكل عام , حيث لا نكاد نرى خصوصية للشاعر العربي, و إنما أصبحنا بإزاء ما أسميه متحفظا "شعر" انسلخ فيه أصحابه عن كل مقوماتهم و خصوصياتهم
و مرجعياتهم و التراكمات المعرفية والشعرية التي خلفها أسلافهم , فضاع الشعر بذلك و هكذا يقتنع المعداوي بأن الشعر القديم لانعدام السببين المذكورين عرف الثبات و المحافظة على الأصول.
و الناقد يصف الشعر القديم بالشعر المحافظ, ومصطلح "المحافظة" ليست سمة إيجابية إنه يحملها دلالات قدحية لا حصر لهاـ
التيار الإحيائي
يعد التيار الإحيائي من نظر –الناقد- الوجه الثاني للشعر القديم, وهو تيار سلبي في غالب أحواله لأنه يعتمد التقليد و المحاكاة للنمط الجاهز من الشعر العربي القديم.
وتجدر الإشارة إلى أن توظيف "المحاكاة" يستند إلى خلفية تقوم على انتقاص ونقد التيار الإحيائي,لأن المحاكاة في قصارى ما تبلغه أن تنتج صورة مشوهة للأصل المقتبس عليه.
ولا ننكر أن ما طالعناه من شعر الإحيائيين يعتبر بحق شعرا جديرا بالقراءة لجمعه بين الإقناع و الإمتاع فضلا عن كونه شعرا رساليا استمع شعراءه لنبض واقعهم، فعالجوه بشعر رصين ـ و ما اشتكوا ـ من ثقل النمط القديم في النظم عليهم ، و هل ينكر على الإحيائيين إحساسهم الوطني و القومي و البعد الأخلاقي و الشعور النبيل في شعرهم إلا جاحد.
التيار الذاتي
جماعة الديوان:
ظهر هذا التيار مع جماعة الديوان(العقادـ عبد الرحمان شكري، المازني) الذين ربطوا الشعر بالذات واختلفوا اختلافا طفيفا حول مفهوم الشعر.
والشعر الوجداني عند هذه الجماعة ارتبط بالذات لسببين أولهما: إعادة اﻻعتبار للذات المصرية، وثانيهما انتشار الفكر الحر بين المثقفين والمبدعين المصريين. ويبقى هذا التيار في نظر المعداوي سلبيا بقي أسير الذات ولم يتجاوزها إلى تغيير الواقع .
إن المعداوي انتقد التيار الإحيائي و التيار الذاتي لأن الأول يقوم على الذاكرة التراثية و الثاني على الذاتية المثالية الباكية بعد هذا الطعن للتيارين السالفين يشحذ المعداوي مديته للنيل من تيار الرابطة القلمية.
الرابطة القلمية:
على الرغم من أن الرابطة القلمية قد عاشت المد القومي ( نذكر من شعرائها: جبران، نعيمة ،-إيليا أبو ماضي) وتأثرت كثيرا بالآداب الأجنبية إلا أنها تبقى في نظر المعداوي سلبية, حبيسة الذات تتجرع اليأس و الخنوع
و الاستسلام، ومضامين شعرهم بقيت بعيدة عن حقيقة الوعي القومي الذي يستلزم التغيير.
جماعة أبولو:
أسس هذه الجماعة أحمد زكي أبو شادي في مصر سنة 1932، وهذه الجماعة كسابقتها تلقت ضربات موجعة من المعداوي- فاعتبرها هي الأخرى سلبية يهرب شعراؤها من واقعية الحياة إلى انكماش الذات , يفرون من المدينة إلى الغاب يجرعون الخيبة و اليأس و المرارة , والذي يزيد من سلبية هذه الجماعة هو تناظر التجارب و تماثلها مما كرس الاجترار و التكرار...
إلا أن المعداوي تعامل مع كل من التيار الإحيائي و التيار الذاتي بجماعاته الثلاث بنهج الكيل بمكيالين, فالصنعة تقتضي أن يظهر المعداوي بعض محاسن التيارين وهي كثيرة وعديدة لكي يتقبل القارئ نقده لهما, ولئلا يبدو كتاب المعداوي كله تحامل محموم على التيارين يبغى من خلاله أن يوطئ ويمهد الأجواء للشعر الحديث باعتباره البديل الذي استوفى الشروط وحقق التقدم حسب المعداوي. ولا غرابة فهو أحد شعراء الشعر الحديث ويبدو عسيرا على المعداوي أن ينتقد حركة كان أحد مؤسسيها على الأقل في المغرب.
إن جماعة أبولو ذ بجت قصائد قومية ووطنية , وما قصيدة الشاعر أبو القاسم الشابي إلا نموذجا لشعر حرك الهمم وبعث على الفعل الإيجابي في هذه الحياة, إنها قصيدة وشمت ونقشت على ذاكرة العرب جميعا وليس التونسيون فحسب, فقد اتخذها الشعب التونسي لأهميتها , نشيدا وطنيا , وهذه القصيدة بما فعلته في التونسيين وفي الذاكرة العربية ذكرتني بما فعلته قصيدة عمرو بن كلثوم في قومه تغلب.
القسم الثاني: نحو شكل جديد
إذا كان أهم ما يميز القصيدة الإحيائية تقليدها للنموذج في رصانة اللفظ وجزالة الأسلوب وبداوة المعجم فإن التيار الوجداني قد مال إلى السهولة في اللغة أو ما يسمى بلغة الحديث اليومي ولغة الشارع كما تجسد ذلك قصيدة العقار,''أصداء الشارع'' كما أن الصورة في الشعر الإحيائي مرجعها إلى الذاكرة المنقوشة مجموعة في الصور التي كادت أن تصير مألوفة من لدن الشعراء في حين أن الصورة في القصيدة الوجدانية انفعالية وذاتية ملتصقة بتجربة الشاعر الرومانسي ''لقد أراد الشاعر الوجداني أن يجعل للصورة وظيفة أساسية، وأن تكون هذه الوظيفة نابعة من تجربته الذاتية... ولم يعد التدبيج و الزخرفة هدفه الأساسي من استخدامها.''
وأهم ما يميز القصيدة الوجدانية , وحدة العضوية بين عناصرها، وهي وحدة مرتبطة بالوجدان.
ويبقى من أهم ملامح التجديد في شعر الوجدانيين تكسيرهم للبنية القديمة عن طريق تنويع القوافي و الأوزان و اعتماد الوحدة العضوية في بناء القصيدة وإدخال نظام المقاطع على القصيدة وتليين اللغة وتبسيطها وإزالة القداسة عن اللغة ولعل هذه النعرة كانت الشرارة الأولى التي ظهرت مع الشعراء الوجدانين ( جماعة أبولو تحديدا) وهي باكورة الحداثة الأولى التي ستأتي في شكلها البارز الظاهر مع شعراء موضة الحداثة الذين جعلوا تكسير البنية و تحطيم قداسة اللغة شغلهم الشاغل، ومن ملامح ذلك أيضا توظيف القافية المرسلة تارة و المزدوجة و المتراوحة أخرى. لكن النقاد المحافظين الذين يكافحون عن قداسة اللغة كمصطفى صادق الرافعي سينبرون إلى رأب الصدع و تقويض ما ذهب إليه الشعراء الوجدانيون، ويضاف إلى الرافعي طه حسين
و العقاد و إبراهيم انس في موسيقى الشعر ''. وهكذا يحكم المعداوي على التيار الذاتي بأنه لم يأت بجديد يذكر على مستوى المضمون و الشكل معا لأنه بقي أسير النغمات الحزينة و المحاولات التجديدية المحتشمة التي كانت تهاب أنياب النقد العربي المحافظ.
الفصل الثاني: تجربة الغربة والضياع
يحصر المعداوي ظهور الشعر الحديث أو ما يسمى بشعر التفعيلة سنة 1948 وتوالي الهزائم، خاصة هزيمة 1967. وقد أدت هذه الوضعية المتردية إلى زرع الشك في نفوس المثقفين و المبدعين و أسقط كل الوثوقيات العربية التقليدية و الثوابت المقدسة والطابوهات الممنوعة.
ولنا أن نتساءل : إذا كان السبب المباشر في ظهور شعر التفعيلة هو النكسات المتوالية فلم يظهر هذا النمط الشعري منذ سقوط بغداد و الأندلس و ما عرفته البلدان العربية من هجمات إفرنجية و استعمارات متتالية؟ ثم كيف لواقع مترد كهذا تحدثنا عنه أن يجعل الشك يتسرب إلى نفوس المثقفين , فالانهزام شيء وتسرب الشك إلى النفوس شيء آخر إذ ليس يعني هذا إلا كون هؤلاء المثقفين يمتلكون القابلية لتغلغل الشك إلى نفوسهم أي ليس لهم ثقة في أنفسهم ولا في خالقهم فالانهزام هو أول مراتب النصر، إذا أحسنت قراءة الواقع المتردي و أخد بالأسباب و بشروط الاستعداد مع اليقين في رب الأسباب. إن كلاما كهذا الذي يسلم، يتسرب الشك إلى النفوس لا تجعلنا نتردد في نسبة هذه القناعة إلى أصول فلسفات غربية لا صلة لنا بها، ويزيد الأمر فداحة عندما نستمع إلى الكاتب وهو يقرر أن ذلك الواقع المفعم بالهزائم قد أسقط كل الوثوقيات و الثوابت المقدسة.
هنا نتساءل هل يعي الكاتب فحوى قوله هذا؟ وهل كلما أصيب الإنسان بنكسة أو هزيمة تنكر للمقدسات
و للثوابت ؟ أ ليس هذا هو حال الإمعة حال الذي لا يثبت على حال، حال المرتابين المشككين في كل شيء؟
ويزيد عاملا ثانيا يرجع ظهور الشعر الحر إليه هو الاحتكاك بالثقافة الأجنبية، وهو أمر و أنكى كذلك. إننا أصبحنا بإزاء تجارب شعرية مستعارة أو إن شئت فقل تجارب يسوق لها في العالم الغربي وذلك بأن أقاموا لها هالة في النوادي الأدبية في البلدات العربية و أصبح كل من ركب هذا المركب بعيد غريب عن التجربة الحداثية الوافدة من وراء البحار.
و هذا الكلام ليس من قبيل التأويل الشخصي بل إن المعداوي يصرح بذلك وتحديدا في الهامش 1 والصفحة57 حيث أشار فئة إلى التيارات الفكرية التي أمدت الشعراء المحدثين برؤاهم الثقافية وخصص بالذكر الثقافة الاشتراكية و الثقافة الوجودية و إلى أهميتها في جعل التجربة الحديثة تلتصق بالواقع العربي التصاقا حميما.
ولنا أن نتساءل عن السبب الذي جعل المعداوي لا يشير إلى هذه المصادر التي وجهت التجربة الحداثية في الوطن العربي في متن كتابه خصوصا و نحن نعلم أن المؤلف توجه إلى نخبة مخصوصة ليس لها الباع الكبير في تقنيات الكتابة بله عن مهارة القراءة, إنها فئة تلاميذ البكالوريا أليس في إرجاء ينوع الإلهام الشعري إلى الهامش مقصدية واضحة في مخادعة القارئ، إذ لما تعذر السكوت عن المرجعية بشكل بات كان أولى أن تدرس في الهامش بدل المجاهرة بها في المتن.
وإذا تعرفنا الآن على أهم موارد الشعر الحديث وهي موارد غربية لم يعد غريبا و لا بدعا أن نسمع كلاما كالذي سلف من تسرب الشك و زعزعة اليقين بالوثوقيات و إسقاط الثوابت و المقدسات .
هذه العوامل و أخرى مجتمعة جعلت هذه التجربة الشعرية في غالب حالاتها تجربة هجينة يغلب عليها طابع الاستيراد والتصدير فأصبحنا إزاء بضاعة شعرية وليس إنتاجا شعريا ،و أمام تجارب مستعارة وليست تجارب ذاتية صادقة، أصبحنا أمام تكسير للبنية العربية القديمة و إحياء للنموذج الغربي بدل العربي.
فشعراء الحداثة وهم يدعون بأن الانفتاح على التجارب الغربية يضخ في شعرهم روحا جديدة تواكب مجريات الأحداث أوقعهم من حيث لا يعلمون في الولاء لتجربة شعرية غريبة عنهم في أصولها وفي وضعياتها وغريبة عنهم كذلك في دوافع بروزها والغاية من قولها أصلا .
فالشعر شعور والشعور لا يقتبس ، فيا ويح من اعترض على إتباع نموذج أقل ما يجمعه به التراث المشترك والمرجعية الموحدة والإحساس بخصوصية الذات ـ وعانق ـ وهو المغلوب المولع بالتقليد تجربة لا رابطة له بها غير استلاب ثقافي شعري مفضوح عار من كل ما يحتفظ للشاعر بكينونته وخصوصيته.
وفضلا عن التأثر بالفلسفة الاشتراكية والوجودية يقول الكاتب إن الشعر الحديث فقد انفتح على ثقافة شعبية متعمقة في القرآن الكريم والحديث النبوي فان صح الانفتاح على الأول فإن الثاني والثالث لم يتعامل معهما شعراء الحداثة إلا على سبيل الاستهزاء والاستخفاف وسيأتي الموطن الأنسب للتمثيل لذلك، ولعل أهم ما تصادفه من أشعار الحداثيين تجربة الضياع والتمزق النفسي والاضطراب الداخلي والقلق الوجودي ونحن نعلم معنى القلق الوجودي باعتباره نتيجة لتشرب فلسفات دخيلة على ثقافتنا ومرجعيتنا.
فضلا عن الذي سبق نجد غربة ذاتية ومكانية في أشعار أولئك متأثرين أو على الأصح مقلدين شعر توماس إليوت وخصوصا قصيدته "الأرض الخراب" و نجد أشعار أدو نيس مثل "الرأس و النهر" وعبد الوهاب لبياتي وصلاح عبد الصبور وعبد المعطي حجازي كلها ترشح بالتيه والاغتراب النفسي والتآكل الذاتي
و الذوبان الوجودي بسبب قيم المجتمع الغربي الزائفة على حد قوله .
ولما كانت الغربة في الوجود أصل "الغربات" الأخرى كان طبيعيا أن يتقرب الشاعر الحديث في المدينة وفي الحب و في الكلمة، لأنه تغرب في الكون ، يقول أدونيس:
مسامير تركت وجهي على زجاج قنديلي
خريطتي أرض بلا خالق و الرفض
وها هو صلاح عبد الصبور في كتابه "تجربتي الشعرية" يصف إحساسه "بوحدته وتفرده في الكون قد رفعت عنه العناية، فتولى أمرا نفسه بنفسه كأنه الريح المطلقة الخطى"، ص 8
فإذا كانت هذه قناعة الشاعر الحديث حيث نال الشك أو كاد من علاقته بخالقه و قد رفعت عنه العناية الإلهية ، فكيف له أن يتولى أمره بنفسه؟ أليس هذا أصل تعاسة الشاعر الحديث من هذا الكون؟ بل إن الذي يتجاسر على خالقه ويقول : إن "خريطته أرض بلا خالق" أحرى له أن يضل و يتيه في هذا الكون لأن الله خالق الكون قد أضله وأعمى بصيرته ، إنه عبث ما بعده عبث، وأما الغربة في المدينة والحب والكلمة فلا شك أنها مجتمعة تناسلت من أصل واحد هو الغربة في الكون .
إن الشاعر الحديث يركض في هذا الكون ركض البهائم في البرية لا تظفر منه بشيء .
تبرم من المدينة التي تحول فيها الإنسان مادة محنطة بالقيم المصطنعة الزائفة حسب قوله ، فأضحت بدون قلب وبدون روحه .
عجيب أن نصف المدينة بالتكلس و افتقادها للروح، و الشاعر نفسه قد افتقد قلبا يطفح بالإيمان و روحا صافية نقية مشدودة إلى بارئها. و المدينة عند هؤلاء (القاهرة عند عبدا لصبور) و(بغداد عند بدر شاكر السياب) و(بيروت عند أدونيس وخليل حاوي) أضحت قناعا سياسيا و اجتماعيا و ثقافيا تمثل وجه الحضارة بكل أبعادها .
ولما فشل فشلوا في التأقلم مع المدينة فإن عجزه على التفاهم مع أهلها أبين، لذلك فشل في الحب فإن و إن وجدنا هذا المفهوم "الحب" في جل أشعارهم قد تشوه تشويها ، فالحب باعتباره قيمة إنسانية نبيلة أو إن شئت فقل لحمة الأسرة و المجتمعات أو الرباط المقدس فيما بين الإنسان وخالقه، فيتقزم معناه مع هؤلاء الشرذمة من الشعراء فانحصر في المرأة الضجيعة كما في قصيدة "الجروح السود" لخليل حاوي :
وكيف أصبحنا عدوين
وجسم واحد يضمنا
نفاق....
أو كما في قصيدة "مدينة السراب" لبدر شاكر السياب من ديوان المعبد الغريق ص 37
عشر سنين سرتها إليك يا ضجيعة تنام
معي وراء سورها، تنام في سرير ذاتها
و ما انتهى السفار
و قوله :
وأنت يا ضجيعتي، مدينة نائية
مسدودة أبوابها، و خلفها وقفت في انتظار
إن الحب المتحدث عنه هنا لا يتجاوز الوقوع في علاقة مع جسد امرأة ،
أما النماذج الشعرية لغربة الشاعر في الكلمة، فقول أدونيس في السماء الثامنة
لغتي تنوء كأن فوق حروفها حجرا و طين
فبأي جائحة أطوف بأي موج أستعين ؟
فبدلا من أن تكون كلمته سيفا صارما تحولت إلى حجر!
أما صلاح عبد الصبور في قصيدته " مذكرات الصوفي بشر الحافي"، فقد تمنى الموت وحبذ الصمت يقول :
إذا ما ركبت كلا ما فوق كلام
من بينهما استولدت كلام
لرأيت الدنيا مولودا بشعا
وتمنيت الموت
أرجوك
الصمت..
الصمت..
لما عجز الشاعر عن الجهاد بالكلمة التزم الصمت فكان الانهزام الفظيع ، فعانى مرتين بالكلمة المهزومة و بالركون إلى الصمت.
إن عذاب الشاعر الحديث تضاعف لغياب الكلمة وباستعصائها وتأبيها. يقول صلاح عبد الصبور في قصيدته "أغنية الشتاء" من ديوانه أحلام الفارس القديم:
أن هذا الشعر حين هزني أسقطني
وحينما ناديته، لم يستجب
عرفت أنني ضيعت من أضعت . ويقول كذلك في قصيدته : رسالة إلى سيدة طيبة :
صارت أنغام الشاعر خرساء
فإذا نطقت كانت سوداوية
ويقول الشاعر نفسه في قصيدة: مذكرات الصوفي بشر الحافي:
اللفظ حجر
اللفظ منية
إن هذا الفشل الذريع الذي أبان عنه الشاعر الحديث سواء في معانقة الصمت أو في تأبي الكلمات عنه أو في تحولها إلى حجر جعله يتخلف عن زمرة الشعراء الذين جاهدوا بحق بكلماتها النارية التي تحول الذين قيلت في حقهم إلى رماد ، فارجع إن شئت إلى مطولة أحمد مطر التي رثى فيها ناجي العلي و التي قال في مطلعها :
شكرا على التأبين والإطراء يا معشر الخطباء والشعراء
وإلى لافتاته الكثيرة التي تزعزع الوطن العربي من المحيط إلى المحيط ،تدرك أن سبب الضياع عند الشعراء الحداثيين- الضياع الناتج عن الغربة بكل ضروبها ، هو تأثرهم بالأدب الوجودي كما عند سارتر و ألبير كامو وغيرهم ممن تغنى بالسأم الوجودي والاغتراب .
وفي تقديري أن تجربة الغربة والضياع تجربة فاشلة وسلبية لأنها تجربة مستوحاة من العالم الغربي، تجربة تقوم على أساس النسخ والنقل ومحاولة استنبات في صخرة أعرضت كل الإعراض على أن تسمح لبذور هذه التجربة أن تشق مفاصلها لتثبت سنابلها .
لقد أبانت تجربة الشعراء الحداثيين عن غربة في الحياة تمثلت في العجز عن نيل شرف الاستشهاد (كما جاء في قول المعداوي ص 86)، الذي استطاع الشاعر الإسباني الحصول عليه.
ولنا هنا أن نشير إلى اختلاف المرجعيات لبعض المفاهيم كالاستشهاد مثلا، وعلى كل إن سلمنا بأن الذي حصل عليه لوركا استشهادا فما الذي حال بينه وبين الشاعر الحديث ؟
و لنا أن نمثل بمقطع من قصيدة "الدارة السوداء" ليوسف الخال :
أتراني أهجر الدار وأمضي
يدفن الأموات موتاهم و أمضي؟
أين أمضي ؟
أ إلى المأتم في الغابة و الميت اله
أ إلى العرس،
ومآ في العرس خمر و مسيح
آه لا أدري، ولكني أصلي
في هذا المقطع نصادف بعض مبررات الضياع من بينها نذكر : موت الإله/ موت المسيح/ غياب الخمرة المباركة .
و الملاحظ أن يوسف الخال المسيحي معتز بمسيحيته بل إنه يفتخر بها و سنمثل لذلك.
ومن مظاهر العبث في هذا النص إعلانه موت الإله و في الأخير يقول: آه لا أدري ولكني أصلي،
فصلا ته غير صلاتنا ونحن عندما نصلي نقر حقيقة بالبقاء لله سبحانه باعتباره الأول والآخر ، أما الخال فقد قضى بموت إلهه ومع ذلك يقول لا أدري و لكني أصلي ، فهل معنى ذلك أن ضياع الشاعر وغربته جعلاه في الأخير يسلم بجدوى الحل الميتافيزيقي؟ أم أنها عبث المغلوب المقهور الذي صدت في وجهه الأبواب ، فراح يضرب الأخماس في أسداس ، ولغياب رؤية حقيقية وفهم دقيق لعلاقة عبد مع ربه ولفائدة الصلاة عموما . ولأشك أن أحمد المجاطي لم يفته عبث العابثين من الشعراء المحدثين فمثل للتيار العبثي الذي لا يقوم على أساس من القناعة الوجدانية مركزا على صلاح عبد الصبور في قصيدته "الظل والصليب" حيث يمارس إنسان هذا العصر السأم على كافة مستوياته .
إنسان هذا العصر سيد الحياة
لأنه يعيشها سأم...
يزني بها سأم...
موتها سأم...
إلا أن هذا لا يعدو أن يكون ذرا للرماد في العيون، وتبقى هذه الوقفة جد خجولة لكثرة العبثيين في الشعر الحديث و الذين لم يشر إليهم قط.
الفصل الثالث: تجربة الحياة و الموت
لقد بدأت تتولد في أعماق الشاعر العربي معاني الولادة والتجدد والبعث يسندها من قبل الواقع إيقاع جديد هو إيقاع الأمل الذي يحمل الشاعر مشعله وقد استشهد الكاتب بآراء نقاد وشعراء مثل: مطاع صفدي و بدر شاكر السياب.
تبين أن الشاعر كائن متحمل لمسؤولية الحياة وأن الموت يطارد من فقد القدرة على المقاومة وأن الشاعر ليس كذلك ، بل إنه مقتنع بأن قدره هو الحياة ، وانه عندما لا يجد مفرا من الموت فإن موته لا يكون أبديا ، بل إنه معبر إلى الحياة ، ووسيلة إلى التطهر والاغتسال من أدران الحياة الماضية وحافز إلى الثورة على رواسبها في الحياة الجديدة، وهو الذي يجعل الشاعر يعيش التحول بصورة دائمة ، ويعيش جدلا دائما بين الموت والحياة. جدلية تخلق الشاعر الثوري ، وهي ثورة غير مرتبطة لنمط معين بقدر ما هي مرتبطة بروح الثورة في كل زمان ومكان أي الثورة التي تحل في الحياة فتنتصر على الموت.
والملاحظ أن الشاعر الحديث قد أسهب في اعتبار الموت لغزا وأطال الكلام عن جدلية الموت والحياة ، الشيء الذي جعله يلجأ إلى الثقافات الإنسانية لينتقي منها رموزا وأساطير تساعده على إقناعنا وجدالنا والحال أن الموت والبعث في ثقافتنا ليستا إشكالا البتة بل إنهما من صميم قناعاتنا الإيمانية ...
1- المقارنة بين تجربة الموت والحياة في الشعر الحديث ومفهوم الغربة لدى الرومانسيين. يقارن الكاتب بين تجربة الموت والحياة في الشعر الحديث ومفهوم الغربة لدى الرومانسيين فيستنتج أن الأولى مشدودة إلى المستقبل بينما الثانية مشدودة إلى الماضي ، وبين أن التجربة الوحيدة التي سبقت شعر الحداثة في هذا الباب هي محاولة المهجرين في شعر " تناسخ الأرواح" أي الولادة بعد الموت.
إن الشاعر المهجري يؤثر الحياة السهلة على معاناة الموت التي أدت إلى فقدان تجربته لصلتها بالواقع الحضاري للأمة في حين أن يرتبط الموت بالبعث لدى الشاعر الحديث لموت الذات والحضارة معا فالشاعر في نظر الحداثيين أشبه ما يكون بالبطل أو النبي. إنه الإنسان العارف بأسرار الكلمة والقادر على تكوين اليقظة والبعث والتجدد في القلوب.
إن مهمة الشاعر الحديث هي إيجاد الحياة من العدم. وهو تصور لا يقبله العقل ولا يقره المنطق، لذلك التجأ إلى الثقافات الإنسانية مستفيدا من تعابيرها المتمثلة في الأساطير الوثنية، البابلية، اليونانية، الفينيقية، العربية والمعتقدات المسيحية وناذرا ما يرجع إلى التراث الإسلامي..
إن لكل شاعر أسلوبه المعتمد في الاستفادة من المنهج الأسطوري. وهو ما سنوضح من خلال بعض الشعراء الحداثيين.
نماذج الحياة والموت في أشعار الحداثيين:2
أ-أدونيس: التحول عبر الحياة والموت
.
تلتقي في تجربة أدونيس ذات الشاعر بذات الأمة العربية، فموتها موته وبعثها بعثه، غير أن الشاعر مقتنع بفحولة التاريخ العربي وطموح حضارته قبل الاستعمار، وهو يحس أنه جزء من هذا الواقع الميت. لكنه يحس بأن شيئا ما يميزه. فموته مثل نوم موجة في شاطئ البحر. يقول في قصيدته " مرايا للممثل المستور"
البطل الساهر مثل موجة
ينام
وأرضنا صبية
كانت بلا رأس ولا وسادة تنام
والفكرة الفراسة الحمراء
كانت جثة تنام
اعتمادا على ذلك يرصد الكاتب أهم اتجاهات معاني الحياة والموت في شعر أدونيس حيث يخلص إلى وجود اتجاهين:
- اتجاه الجرد والتساؤل عن وسيلة البعث، واتجاه اكتشاف مفهوم التحول بصفته وسيلة الدفع العربي نحو البعث والتجدد، لذلك يميز الكاتب بين نمطين عن التحول في شعر أدونيس.
1- النموذج الموفق: مثل له بقصيدة( تيمور و مهيار) حيث مهيار رمز البعث وتيمور رمز الاستعباد والقهر والموت، وصراعهما يفضي دوما إلى عودة مهيار إلى الحياة رغم سجنه وقتله وحرقه، إذ من رماده ينبعث حيا جديدا ويرجع نجاح هذا النموذج في نظر الكاتب إلى أمرين::
أولا: لكونه استوحى أسطورة الفينيق الذي أحرق نفسه لينبعث من رماده، واستلهم أسطورة العنقاء التي تموت ويلتهب رمادها وتحيا به.
ثانيا: المضمون الرمزي للقصيدة، فمهيار يرمز إلى الإرادة التي لا يقهرها سلطان.
والحق- في تقديري- أن قصيدة كهذه تستوحي مضامينها وصورها من أسطورة قديمة قد تخفي جانبا كبيرا عن قدرة الشاعر الإبداعية لأن الأسطورة تمثل كثافة تختفي وراءها قدرات الشاعر وتقف مائلا دون بلوغ المعنى من لدن القارئ، ولعل التوظيف المكثف للرموز والأساطير هو اللبنة الأولى في بروز ظاهرة الإبهام والغموض في شعر الحداثيين.
2- النموذج غير الموفق: مثل له بقصيدة "الأسماء" حيث يحدث تحول فجائي يصبح القارئ إزاءه غير مستعد لتقبل الأفكار التي تنقلها القصيدة يقول أدونيس فيها:
سأسمي التحول ربان أيامك الجديده
يا بلاد الخليفة والتابعين.
وأسمي اللهيب
مطرا
وأسمي
وجهك المغلق الدفين.
كوكبا، والقصيدة
هالة الفارس الغريب
حول أيامك الجديده.
يقول المعداوي في ص127 " ففي البيتين الأولين من القصيدة يقرر الشاعر أن مفهوم التحول ستكون وسيلة لتغيير واقع الأمة العربية أما في سائر أبيات القصيدة فهي تفسير للطريقة التي اختارها الشاعر لتحقيق هدفه ينقل الواقع الحضاري للأمة العربية من عصر الخليفة والتابعين إلى القرن العشرين لأنها لا تغير من حضارة ما أسماه "عصر الخليفة والتابعين" شيئا سوى الأسماء
وأحب أن أشير إلى مسألة وإن كانت شكلية لكن لا ينبغي لي إغفالها وهي قول المعداوي في النص السالف) ( ففي البيتين ثم يمضي فيكرر أما سائر أبيات القصيدة) فلست أدري وهو واحد من دعاة تكسير البنية أنسي أم أنه لم يستطع التخلص من مسميات النموذج ؟ ألم يستبدلوا البيت بالسطر؟ أم هو الكيل بمكيالين؟...
والخلاصة هي أن مفهوم التحول لدى أدونيس استفاد من المنهج الأسطوري، بل انه استفاد منه حتى في الاستعاضة عن علي أحمد سعيد
بالرمز الأسطوري أدونيس لكنه سيفلت منه ليقيم عالما شعريا أقل ارتباطا لحركة التاريخ العربي لأنه يقيم حوارا مع زمن لم يأت بعد...
خليل حاوي: معاناة الحياة والموت
لقد أقام الشاعر كلمة المعاناة بدل التحول بما تعينه من تفسخ الأشياء والقيم والذات والواقع الحضاري حيث تبدو ملامح الذات الجديدة والحضارة الجديدة،غير أن إحساسه برخاوة الواقع وعمقه سيظل حاجزا يعوق عملية التطهر التي تبشر بالولادة الجديدة، وهذا ما جعل المعاناة تهيمن عل ديوان نهر الرماد بأكمله.
* ديوان نهر الرماد.
يحلل الكاتب قصائد هذا الديوان معتبرا أن بعضها بشرح البعض الآخر ويبرز من خلالها الصراع الحاد بين مسؤولية الفداء والهروب إلى وجه المدينة حيث الخمر والجنس.
والعيب لدى هذا الشاعر – في نظري- أنه لا ثالث للأمرين عنده إما التطلع إلى حمل الصليب (الفداء) أو الدهاليز اللعينة و مواخير المدينة (الجنس والخمر).
والملاحظ أنه استعار الصليب رمزا للفداء وهو ما يعتبر في نظرنا أمرا مكذوبا يرجع الشاعر بنا من خلاله إلى ثقافة مسيحية صرف.
* ديوان الناي والريح.
ففي (قصيدة بعد الجليد) يلتجئ الشاعر إلى المنهج الأسطوري فيوظف "تموز" وما ترمز إليه من غلبة الحياة والخصب ضارعا غلى الموت والجفاف.
إن الشاعر يلجأ تموز إله الخصب ضارعا مستعطفا ص136
يا إله الخصب يا بعلا يفض
التربة العاقر
يا شمس الحصيد
****
نجنا نج عروق الأرض
من عقم دهاها ودهانا
أدفئ الموتى الحزانى
والجلاميد العبيد
إن هذا التوظيف إن أسعد الشاعر فإنه أتعس القارئ، فلماذا اللجوء إلى الإله الأسطوري للخصب بدل اللجوء إلى مصدر الخصوبة الحقيقي الله سبحانه- ففي توظيف هذا الرمز يتيه القارئ ويضيع ويتصادم مع تأويلات تجعله يحس الرفض.
استمع إليه يقول ص 137:
إن يكن رباه
لا يحيي عروق الميتينا.
غير نار تلد العتقاء نار
تتغذى من رماد الموت فينا
في القرار
فلنعان من جحيم النار
ما يمنحنا البعث اليقينا.
أما تنفض عنها عفن التاريخ
واللعنة والغيب الحزينا
تنفض الأمس الذي هجر
عينيها يوافينا بلا ضوء ونار
وفضلا عما أشرنا إليه أن ما يخلق الاستياء والرفض لدى القارئ هو تجاسر الشاعر على أمور تعتبرها مقدسات من مثل قوله( البعث الحرينا) وتضرعه قائلا (يا إله الخصب ...نجنا) وفي هذا تصريح بأن هناك من ينجي غير الله سبحانه هذا بخصوص المقدسات..
أما بخصوص ما يأتي في الدرجة الثانية بعد المقدسات فهو التراث العربي الإسلامي الذي بدونه نمسخ ونفتقد الهوية والخصوصية، هذا الماضي التليد سماه الشاعر "عفن التاريخ " و( الآسن الذي حجر عينيها)
( أي الأمم) كل هذا ولا غرابة فإن دعاة الحداثة يعتبرون أول مراتبها قطع الصلة مع الماضي أو على الأصح اجتثاث الجذور...
إن هذا الشاعر يرى في التراث العربي معرقلا دون بلوغ الباب، يقول:ص 143
إني أرى الطريق
بيني وبين الباب أقلام ومحبرة
هم العبور***
وخطوة أو خطوتان
إلى يقين الباب، ثم إلى الطريق.
وتنتهي بنغمة حزينة تنسجم مع مدلول الناي الذي يرمز ببحته الحزينة إلى الماضي، وما يزخر من ذكريات أليمة.
بيني وبين الباب صحراء
من الورق العتيق
واد من الورق العتيق
والملاحظ أن الشاعر يرمز إلى الماضي الذي يعادل الموت في نظره- بالمحبرة والورق العتيق الذي يشير إلى رواسب عصر الجليد.
وهاهي رغبة الشاعر الجامحة في فك كل الارتباطات التي ترجع إلى الماضي فيقول ص 144
ربي متى انشق عن أمي ، أبي.
كتبي وصومعتي وعن تلك التي
تحيا، تموت على انتظار.
فالكتب ترمز إلى التراث الفكري والصومعة ترمز إلى الجانب العقدي التعبدي ، ورغبة الشاعر تكمن في التخلص من كل هذه الارتباطات، فتلك هي حداثة الشاعر وهذه شعاراتها.
وهكذا ففي ديوان ( الناي والريح) تتجدد مسؤولية الشاعر في القدرة على التخلص من ذاته ومواكبة البعث العظيم، غير أن محتوى النصوص يبرز أن هناك عاملين تتولد عنهما نغمة يائسة أكدت عجز الشاعر عن مواكبة البعث العظيم لشعر مماثل ، أحد هذين العاملين خارجي وهو التقاليد الاجتماعية وثانيهما داخلي هو الرواسب المتبقية من عصر الجليد.
وإن التحولات التي تكشف رؤيا الشاعر تتجه نحو السكون والموت لا التجدد والبعث، ويرفضه لذلك يعقد الأمل على تجدد الأجيال القادمة، يقول ص 146
أسندي الأنقاض بالأنقاض
شديها على صدري اطمئني
سوف تخضر
غدا تخضر في أعضاء طفل
عمره منك و مني
إضافة إلى هذا يرغب في التخلص من المتعة العتيقة والمفاهيم الرثة – في اعتقاده- يقول ص 147 راغبا في إفراغ بيته أي أن يتخلص من الماضي وبقاياه.
أود لو أفرغت داري، عله
إن مر تغويه، وتدعيه (الضمير يعود على الشعر)
* ديوان بيادر الجوع
يشمل هذا الديوان ثلاث قصائد تتجه بإيقاعها المعتم في اتجاه معاكس لإيقاع نهر الرماد الذي بدأ باليأس و انتهى وانتهى إلى الأمل، بينما هي تبتدئ بالأمل وتنتهي إلى الحية. فالمنظومة المنطقية للقصيدة تسير وفق التصور الآتي:
- التطهر شرط البعث
-الذات العربية لن تتطهر
- البعث لن يتحقق
والخلاصة أن انتقال الشاعر بين الأمل واليأس يعود في نظر الكاتب إلى تموجات الواقع العربي الذي انفعل الشاعر به ومعه.
3- بدر شاكر السياب : طبيعة الفداء في الموت.
يأخذ الموت في شعر السياب طبيعة الفداء، ويملك كل القدرات على بعث الحياة والانتصار لها. فقد ظل يعتقد بان الخلاصة لا يكون إلا بالموت لأنه شرط البعث، ولتأكيد ذلك يوظف الشاعر أسطورة المسيح حيث يرتبط بين بعثه وبعث الأمة العربية التي يرمز إليها بعربية جيكور، حيث يقر أن قبول المسيح للموت لم يكن إلا فداء للفقراء والجائعين، لأن حياته بعد الصلب ستكون أخصب، ويقابل الشاعر بين هذا الموت المنتج وموت أعداء المسيح وأعداء الأمة الذين يرمز لهم بالخائن يهودا.
ولنا أن نقول من حق الشاعر أن يختار رموزه وأساطيرهن إلا أنه ليس من حقه أن يغالطنا فيما هو حقيقة مطلقة وقناعة ثابثة وهي أن المسيح لم يصلب ( وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم) الآية .. وهنا لنا أن نتساءل متى تنتهي حرية المبدع؟...
-عبد الوهاب البياتي وجدلية الأمل واليأس4-
يرى المجاطي أن شعر البياتي ينقسم إلى مرحلتين:
- مرحلة ما قبل ديوانه المعنون ( الذي يأتي ولا يأتي ) والمرحلة التي تلته.
ففي المرحلة الأولى يقدم شعره حقيقتين متناقضتين.
- الحقيقة الأولى هي قدرته على كشف طبيعة الانهيار والسقوط الذي انتهى إليه الواقع العربي مما جعل المضمون العاطفي لقصائده ذا نغمة يائسة وحس مأساوي.
- الحقيقة الثانية : سيطرة نزعة متفائلة على مضمون شعره.
غير أن هذه المفارقة تعتمد عن وجهة نظر الشاعر المنطق الجدلي الذي يؤمن بإمكان تعايش الأضداد وليس المنطق الصوري.
والخلاصة التي ينتهي إليها الكاتب هي أن شعر البياتي يسير في ثلاث منحنيات.
- المنحى الأول: الانتصار الساحق للحياة على الموت.
- المنحى الثاني: التكافؤ بينهما.
- المنحى الثالث: انتصار الموت على الحياة.
إن البياتي باعتباره شاعرا ثوريا فإن شعره لا يقوم على الأمل فقط بل على الشك والقلق والانتصار.
* منحى الأمل : وهو إيجابي ذلك أن موت المناضل يصبح انتصارا على الموت لأنه يقود إلى الحياة الحقة.
* منحى الانتظار: يتميز بتعليق الانبعاث الذي تقدمه أربع صور هي:
- نمط الحياة: يتمثل في القصائد التي يوظف فيها الشاعر رمز عمر الخيام المحكوم عليه بالحياة.
- نمط الموت: ويرتكز على إقناعنا بأن الموت قنطرة عبور للحياة الحق.
- نمط الرجاء والتمني: الانتقال من ساحة النضال إلى ساحة الحلم حيث ينضج هذا الأخير في إقامة هو من التوقع والانتظار.
* منحى الشكل: يقوم على كشف ما في الحياة من زيف وتحديدا النضال العربي لأنه لا موت بدون نضال كما انه لا بعث بدون موت
فإذا حصل بعث دون نضال ودون موت فهو بعث مزيف أو هو الموت في الحياة كما يسميه الشاعر.
عموما فأهم ما يميزه هذا الفصل في نظر الكاتب هو:
إن التقاء هؤلاء الشعراء عند معاني الموت والحياة يرجع إلى إحساسهم بواقع ما بعد النكبة.
إن مفهومهم للإبداع الشعري شامل تلتقي فيه الذات مع الجماعة ويتداخل فيه موقف الشاعر من الماضي لموقفه من المستقبل.
إدراك الشاعر الحديث للتحدي الذي يهدد حاضره ومستقبله ووجوده القومي.
الموقف الموحد للشاعر تمليه الرغبة في الحياة والتجدد والانتصار على الموت.
انتقاد التصورات التي اعتبر أصاحبها أن هذا الشعر كان سببا من أسباب النكبة
ومن خلاصات هذا الفصل كذلك نذكر
- إن علاقة الشعر بالجماهير لم تكن علاقة تواصل بحكم ثلاثة عوامل:
- العامل الديني القومي ( التوجس من أن يكون هذا الشعر تشويها للتراث ..)
- العامل الثقافي ( الاقتناع بأن جمالية الشعر القديم تشكل الإبداع المطلق)
- العامل السياسي المتمثل في جوف الحكام عن المضامين الثورية لهذا الشعر وأهم العوامل في نظر الكاتب هو العامل المتعلق بتقنية هذا الشعر، أي وسائله الفنية المستحدثة التي عبرها الشعراء عن تجاربهم.
الفصل الرابع : الشكل الجديد
خصائص المكونات العامة للشكل الجديد
يهدف هذا الفصل إلى معرفة الوسائل الفنية التي تمد القصيدة الحديثة بما يقيم جمالها لأن جدة التجربة وقيمتها تتوقفان على جدة وسائل التعبير نفسها ، غير أن الكاتب يرى أن هذا الموقف ينبغي أن يؤخذ في صيغته النسبية ، فهو صحيح لأنه يجعل لكل لحظة شعورية طبيعتها الخاصة ، لكنه غير صحيح عندما يفرض القول بالانتقال من عهد الشكل الأول إلى عهد يصبح فيه لكل قصيدة شكلها الخاص لأن من شأن ذلك أن يقود إلى نتيجتين خطيرتين :
النتيجة الأولى: الحد من حرية الشاعر
النتيجة الثانية: تعدد الأشكال يمكن أن يؤول إلى استحالة الوقوف على الهدف المتوخى من الحركة ككل .
فضلا عمن ذكر يمكن أن يترتب عن هذا الاختيار ما أسماه الكاتب تزكية تهمة تود التي توجه الشعر .
عموما فثمة تقارب في أسلوب الشعراء الذين اكتملت ملامح شخصيتهم الفنية ، يتجلى ذلك في: الأسلوب ، طريقة التعبير ، الصور البيانية والرموز والأساطير ، بناء القصيدة العام ، ويرجع ذلك إلى وحدة التجربة آلتي فرضت وحدة الوسائل المستخدمة في التعبير عنها .
نستنتج مما سبق أن :
الشكل في الشعر الحديث ناقص ، ولم يبلغ ذروة نموه
النمو لا يمكن أن يتم في الزمن المحدود لكتابة ديوان كمل أو قصيدة طويلة
تطور اللغة الشعرية .
ابتدأ الكاتب بخلاصات عامة منها :
لم تتطور اللغة الشعرية أفي تجاه واحد بل في اتجاهات متعددة
نمو لغة كل شاعر بمفرده
ارتباط هذا النمو بالروابط الوراثية التي تربط شعراء كل إقليم ، أو الروابط الثقافية الأجنبية
التشابه الواضح بين تجارب الشعراء ينتهي بالدارس إلى وجود خصائص متعددة
انتقاد الدكتور النويهي الذي اعتبر أن لغة الشعر الجديد هي أقرب إلى لغة الحياة اليومية ، وأنه يخرج عن عدد من القواعد العروضية القديمة ، وهذا في مجمله تأثر برأي إليوت، ولأن النويهي اعتمد فقط على ديوان واحد هو للشاعر صلاح عبد الصبور.
النفس التقليدي في لغة الشعر الحديث
إن لغة الشعر الحديث تتوزع بين منحيين أحدهما يستمد مقوماته من روح اللغة القديمة ، وثانيهما يستعمل لغة الكلام الحية. المنحى الأول يمثل له بقصيدة بدر شاكر السياب " مدينة بلا مطر". أما المنحى الثاني فهو أمل دنقل الذي يميل ميلا إلى اللغة اليومية. غير أن ملمحا ثالثا يبرز هو: البعد عن لغة الحديث اليومية يمنحها دلالات و إيحاءات جديدة.
بناءا على ذلك يقدم الكاتب تصوره لصفات لغة الشعر وهي :
لغة الشعر مثالية عن حتى لدى أكثر الشعراء ارتباطا بالواقع
لغة الشعر تستأنس بقدر من الغموض بل ـ في رائي ـ إنها لغة مغرقة في الغموض
لغة تتأبى على المنطق و تنفر منه ( وهذا داع إلى الغموض)
لغة تقوم على الارتباط غير المتوقع
لقد استنتج الكاتب أن هناك شعرا لم يكتف بالابتعاد عن اللغة اليومية فقط بل ذهب إلى إقامة ارتباط غير متوقع بين الكلمات التي يبني بها عباراته حيث تصبح الكلمة في القصيدة هي غيرها في المعجم اليومي المعتاد ، فتتغير دلالاتها وإيقاعها وترتيبها.
السياق الدرامي للغة الشعر الحديث
ما يميز السياق اللغوي للشعر الحديث هو صدوره عن صوت داخلي منبثق من أعماق الذات و متجه إليها بخلاف السياق اللغوي في الشعر القديم الذي ينبثق من الذات إلى الخارج.
إن الشاعر الحديث لا يطمح إلى هدم الجدار القائم بينه وبين المتلقي ، لأنه يعلم أن تعاطف المتلقي معه لن يجدي نفعا.
التعبير بالصورة في الشعر الحديث
لم يعد الشاعر الحديث يرتبط بالتراث البياني القديم ، بل دأب على توسيع أفق الصورة نفسها لتتسع لأكبر قدر من الاحتمالات المتعلقة بأعماق التجربة. إنه يطمح إلى الابتعاد عن اللغة الشعرية الجافة للإسهام في إقامة بناء القصيدة العام عن طريق الخيال.
تطورالأسس الموسيقية للشعر الحديث
إن كل تطور في المضمون يقتضي تطورا في الشكل ، علما بأن الشاعر الحديث لم يكن يفكر في بداية تأسيس القصيدة في نسف أصول الموسيقى التي أصبحت قدرا مسلطا أو قيودا من ذهب.
إننا ندرك أن كلام الكاتب ليس علميا لأننا قد استمعنا إلى رواد الحداثة كأدونيس ويوسف الخال وأنسي الحاج وهم يرفعون شعارات تفضي إلى نسف القاموس و قطع الصلة مع الماضي و اعتبار التراث من مخلفات عصر الجليد ، إنه التخطيط المحكم لنسف كل ما هو قديم وأصيل ، أما احتفاظهم ببعض ما جاء به الخليل فإنما يرجع إلى عدم قدرتهم على إيجاد بدائل ليس إلا .
كل هذا أدى إلى ظهور تباينات في كيفية التعامل مع موضوع حيث برزت تيارات مختلفة أهمها :
المنادات بالانتقال من عهد عروض الشعر إلى عهد عروض القصيدة بحيث يسمح لكل قصيدة عروضها الخاص.
إن هذا الرأي يجعلنا نقول إنه ليس هناك شعرا حديثا بقدر ما هناك قصيدة حديثة لعدم وجود الجامع الذي نطمئن إليه بين هذه القصائد ، فكل شاعر يسبح في واد، أي غياب لحمة جامعة يستند إليها الناقد غير هذه مفاهيم المائعة التي لا تخضع لعقل ولا لمنطق(الرؤيا ، الحداثة ، أو الغموض ، الأساطير ...).
على الشعر الحديث أن ينشئ أساسا موسيقيا جديدا
إن الشعر الحديث ليس ظاهرة عروضية لأن علاقة الشاعر بالعروض علاقة تحددها عاطفته وإحساسه وفكره وخياله وهذا هو رأي الكاتب.
الأسس الموسيقية للشعر الجديد:
تفتيت الوحدة الموسيقية المتمثلة في البيت الشعري ذي الشطرين المتساويين.وهذا ما أحدث فوضى في الاصطلاح بين قائل له سطر أو شطر أو بيت.
هذه الوحدة الموسيقية ليست وحدة ذات طول ثابت بل طولها متعلق بما يتضمنه من نسق شعوري وفكري .
ان الذي يتحكم في حركة الأبنية الموسيقية هو حركة المشاعر و الأفكار بعكس الشعر القديم الذي كان يقيدها.
تعامل الشعر الحديث مع ستة بحور ذات تفاعيل غير مركبة وهي بحر الهزج (مفاعيلن) ، والرمل (فاعلاتن) والرجز(مستفعلن) والكامل (متفاعلن) والمتقارب (فعولن) و المتدارك( فاعلن).
- توفر نظام المرونة للتفعيلة
- انتقاد تصور إحسان عباس الذي رأى في اعتماد الشعر الحديث البحور الصافية دليل على عدم تطويعه للعروض
- انصراف بعض الشعراء كالسياب إلى الأبحر المركبة
- تكسير بعض الشعراء وحدة الشطر ووحدة البيت ذي التفعيلتين بصورة جعلهما تفعيلة واحدة كما فعل أدونيس
يخلص الكاتب إلى أن الطاقات الموسيقية للأبحر المركبة لم تستغل على النحو الذي قام به أدونيس ويرجع عدم الاستغلال إلى ما يلي:
السبب الأول: مسألة الزحاف
استفاد الشاعر الحديث من الزحاف وذلك بتكسير التفعيلة وجعلها تكتسب مزيدا من التنوع والتلوين بشكل يجعل المتلقي يعتقد أنه يتعامل مع إيقاعين مختلفين ، وهكذا استخدم إيقاعين دون اللجوء إلى البحور ذات التفاعيل المركبة
السبب الثاني : تنويع الأضرب
في القصيدة القديمة إذ استعمل الشاعر أحد الأضرب المتفرعة على تفعيلة أصلية التزمه في أبيات القصيدة جميعها و إلا عد ذلك عيبا من عيوب القافية ،غير أن الشاعر الحديث لم يقم وزنا لهذا القيد نفورا أم عجزا، فاستأنس بما يوفره لأبياته من تنويع في الإيقاع ، فاستخدم تفاعيل لم يقل بها العروضيون في بعض البحور مثل (مستفعلان) في الرجز وأحيانا إدماج بحرين متشابهين كالرجز والسريع في بحر واحد.
السبب الثالث: فاعل في حشو البيت
إن الشاعر الحديث خرج عن سائر القوانين المرسومة لتفعيلة واحدة ، ويقدم مثالا على ذلك تفعيلة فاعل الموظفة من طرف نازك الملائكة في بحر الخبب الذي يعتمد تفعيلة فاعلن.
مسألة التدوير:
الذي يتحكم في عدد التفعيلات هو الدفقة الشعورية ، و التي يمكن أن تتجاوز في اندفاعها حدود السطر الشعري مما أدى بالشاعر الحديث إلى استعمال تفعيلة خماسية أو تسع تفاعيل دون الوقوع في التدوير.
ويقدم الكاتب اختلاف النقاد في الموضوع كما يلي :
كل سطر يتوفر على ما يقارب تسع تفعيلات هو بيت دون أن ننظر الى إمكانية شطره إلى صدر وعجز.
إذا زاد عدد التفعيلات على ذلك وجدنا أنفسنا أمام جملة موسيقية
الجملة الموسيقية تحمل خصائص نظام البيت الشعري ، لأنها تعتبر وحدة في نظام موسيقي عام هوالقصيدة بأكملها
نظام القافية في الشعر الحديث
خضعت القافية في الشعر الحديث إلى مجموعة من المتغيرات أبرزها:
تفتيت نظام البيت وإخضاع طوله أو قصره لحركة المشاعر والأفكار ،مما جعل الشاعر يميل إلى التفاعل مع القافية بصفتها نظاما إيقاعيا يتكون من عدة أحرف مع الحد من بروز حرف الروي مما أتاح للشاعر الربط بين إيقاع البيت وإيقاع القافية بشكل عفوي.
احتياج القافية إلى المشاعر وإلى الثروة اللغوية لخلق إيقاع مرن للقافية يجعلها حية في البناء الموسيقي العام.
تنويع الأضرب في أبيات القصيدة
إن نظام القافية في نظر الكاتب جزء من البناء الموسيقي العام للقصيدة، وأن أهم صفاته هي المرونة التي استمدها من إخضاعها لحركة المشاعر والأفكار والبعد عن الهندسة الحادة .
والحمد لله أولا وأخيرا .

شكراا لكم جزاكم الله خيرا كل ما كنت ابحث عنه وجدته
ردحذفالسلام عليكم ...هل انت علي سليماني مدير الاعدادي ؟
ردحذف